التحالف الثلاثي بين تركيا وباكستان والسعودية: استقلالٌ استراتيجي أم إعادة إنتاج لمنظومة التبعية؟

 

التحالف الثلاثي بين تركيا وباكستان والسعودية: استقلالٌ استراتيجي أم إعادة إنتاج لمنظومة التبعية؟

بقلم د حسين موسى اليمني 

كاتب وباحث في العلاقات الدولية الاقتصادية. 

لا يغرنكم اتفاق الدفاع المشترك بين تركيا وباكستان والسعودية؛ فمنذ زهاء قرن، تدور التحالفات العربية والإسلامية في فلك المستعمر؛ تسخر طاقاتها لخدمة مآربه، ولا توجه نصالها إلا نحو أبنائنا.


بكل اختصار: تحالفات لتقوية شوكة الاستعمار، فلا يغرنكم اتفاقهم يا أحرار. وغدا سنرى من المستهدف من تحالفات أذناب الاستعمار.


هذه ليست مجرد عبارة سياسية عابرة، وإنما تختصر إشكالية أعمق في بنية النظام الدولي: هل تستطيع الدول العربية والإسلامية أن تنشئ منظومة أمنية مستقلة عن القوى المهيمنة، أم أن التحالفات الجديدة تعيد إنتاج البنية نفسها التي حكمت العلاقات الدولية في المنطقة منذ سقوط الدولة العثمانية؟

في 7 أغسطس/آب 2026، وقعت تركيا وباكستان والسعودية اتفاقًا للدفاع المشترك في مكة، يقضي، بحسب ما أعلنته المصادر المتاحة، بأن يُنظر إلى الاعتداء المسلح على إحدى الدول الثلاث باعتباره اعتداءً عليها جميعًا. وقد قدمت الدول الثلاث الاتفاق بوصفه اتفاقًا دفاعيًا لا يستهدف دولة بعينها.

غير أن قراءة الاتفاق لا ينبغي أن تتوقف عند عباراته الرسمية؛ فالعلاقات الدولية لا تُفهم بالنوايا المعلنة فقط، وإنما من خلال موازين القوى، ومصادر التسليح، وشبكات التحالف، والارتباطات الاقتصادية والأمنية، والنتائج العملية.

ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن هذا التحالف، في صورته الحالية، لا يمثل خروجًا حقيقيًا من المنظومة التي فرضتها القوى الكبرى على المنطقة، بل قد يمثل إعادة إنتاج لها بصورة جديدة. فالتحالف يجمع دولًا ذات قدرات عسكرية واقتصادية كبيرة، لكنه لا يقوم، حتى الآن، على منظومة مستقلة مكتفية ذاتيًا في التكنولوجيا العسكرية، والتصنيع الدفاعي، والاستخبارات، والقدرات الاستراتيجية.

والأهم من ذلك أن التحالف يأتي في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب، وفي ظل شبكة واسعة من العلاقات الأمنية التي تربط دول المنطقة بالقوى الغربية. وهنا تظهر المفارقة: كيف يمكن لتحالف أن يُقدَّم باعتباره مشروعًا للاستقلال الاستراتيجي بينما تظل مفاتيح مهمة من القوة العسكرية والتكنولوجيا والتسليح مرتبطة بالنظام الدولي الذي تقوده القوى الكبرى؟

إن التاريخ يقدم أدلة مهمة على خطورة هذه البنية. فمنذ القرن العشرين، لم تكن التحالفات العسكرية في العالم العربي والإسلامي مجرد ترتيبات دفاعية محايدة، بل ارتبط بعضها بمشروعات القوى الكبرى في إدارة مناطق النفوذ ومواجهة خصومها. ويكفي استحضار تجربة حلف بغداد في خمسينيات القرن الماضي، الذي جاء في سياق سياسة الاحتواء الغربية خلال الحرب الباردة، لندرك أن التحالف العسكري قد يتحول من وسيلة لحماية الدول إلى أداة لإعادة ترتيب المنطقة وفق مصالح القوى الدولية.

وهنا ينبغي فهم مفهوم التبعية الاستراتيجية. فالتبعية لا تعني بالضرورة وجود احتلال عسكري مباشر أو أوامر صريحة من دولة استعمارية إلى دولة أخرى؛ بل قد تكون أكثر تعقيدًا، وتظهر عندما تعتمد الدولة على الخارج في السلاح، والتكنولوجيا، والاستخبارات، والتدريب، والتمويل، والغطاء السياسي. وفي هذه الحالة تصبح قدرة الدولة على اتخاذ قرار مستقل محدودة، حتى لو كانت تمتلك جيشًا قويًا وثروات ضخمة.

والواقع أن العلاقات الدفاعية السعودية ـ الباكستانية سبقت الاتفاق الثلاثي. ففي سبتمبر/أيلول 2025 وقعت الرياض وإسلام آباد اتفاقية دفاع استراتيجي متبادل، وأكدت السعودية رسميًا أن الاتفاق يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي والردع المشترك. وفي مايو/أيار 2026، أرسلت باكستان إلى السعودية آلاف الجنود وسربًا من الطائرات المقاتلة ومنظومة دفاع جوي في إطار التعاون الدفاعي بين البلدين.

وهذا التطور يكشف أن المسألة ليست مجرد ورقة سياسية، وإنما بناء تدريجي لبنية أمنية إقليمية جديدة. والسؤال هنا ليس عن قوة هذه البنية فحسب، بل عن الوظيفة التي ستؤديها: هل ستكون أداة لتحرير القرار الاستراتيجي الإسلامي، أم ستتحول إلى قوة إقليمية تعمل داخل الحدود التي يرسمها النظام الدولي القائم؟

إن أخطر ما في الأمر هو أن تتحول القوة العسكرية للدول الإسلامية إلى قوة تُستخدم في الصراعات البينية، بينما تبقى القضايا المركزية للأمة، وفي مقدمتها فلسطين، خارج نطاق الفعل العسكري والسياسي الحقيقي. فعندما تتجه الجيوش الإسلامية إلى حماية الحدود والمصالح المتبادلة بين الأنظمة، بينما يعجز النظام الإقليمي عن إنتاج قدرة ردع فعالة تجاه الاحتلال، فإن السؤال المشروع يصبح: لصالح من تُبنى هذه القوة؟

وهنا تتضح الفكرة الأساسية: ليست المشكلة في أن تتعاون تركيا وباكستان والسعودية عسكريًا؛ فالتعاون بين الدول مبدأ مشروع في العلاقات الدولية. المشكلة في الاتجاه الذي ستُستخدم فيه هذه القوة، وفي موقع هذا التحالف داخل شبكة النفوذ الدولية.

فالتحالف الذي لا يمتلك استقلالًا صناعيًا وتكنولوجيًا واستخباراتيًا حقيقيًا قد يتحول، من حيث لا يشعر أصحابه، إلى أداة لتقوية النظام الذي يريدون الاستقلال عنه. وحين تتحول الجيوش إلى أدوات لحماية ترتيبات إقليمية تخدم مصالح القوى الكبرى، فإن زيادة القوة العسكرية لا تعني بالضرورة زيادة الاستقلال.

ومن ثم فإن القول بأن هذا التحالف لا يصب إلا في مصلحة المستعمر يمكن الدفاع عنه باعتباره قراءة نقدية لطبيعة النظام الإقليمي، لا باعتباره مجرد حكم عاطفي؛ إذ إن الاستعمار الحديث لا يحتاج دائمًا إلى احتلال الأرض، بل يستطيع تحقيق مصالحه من خلال بناء منظومات أمنية واقتصادية تجعل دول المنطقة تدور داخل فضاء استراتيجي تحدده القوى الكبرى.

والاستقلال الحقيقي لا يكون بتغيير أسماء التحالفات، وإنما بتحرير القرار السياسي، وبناء الصناعات الدفاعية، وتوطين التكنولوجيا، وتحقيق الأمن الاقتصادي، وامتلاك القدرة على حماية المصالح الوطنية دون ارتهان للخارج.

ولهذا فإن المعيار الحقيقي للحكم على الاتفاق ليس عدد الطائرات والجنود والصواريخ التي ستجتمع تحت رايته، وإنما السؤال الأكبر: هل يصنع هذا التحالف قرارًا إسلاميًا مستقلًا، أم يصنع قوة إقليمية جديدة تؤدي وظيفة داخل النظام الدولي القائم؟

إن التاريخ وحده سيجيب عن هذا السؤال، ولكن المؤشرات الحالية تدعو إلى الحذر، لا إلى الاحتفال. فإذا بقيت المنطقة تعتمد على القوى الكبرى في السلاح والتكنولوجيا والغطاء السياسي، ثم استخدمت جيوشها في صراعات داخلية وإقليمية، فإن النتيجة ستكون إعادة إنتاج التبعية بثوب جديد.

ولذلك نقول بوضوح:

لا يَغُرَّنَّكُمُ الاتِّفَاقُ؛ فليس كل تحالفٍ استقلالًا، وليس كل قوةٍ تحررًا، وليس كل اجتماعٍ بين دولٍ مسلمة مشروعًا لوحدة الأمة.

تحالفات لتقوية شوكة الاستعمار، فلا يغرنكم اتفاقهم يا أحرار. وغدا سنرى من المستهدف من تحالفات أذناب الاستعمار!!

والله من وراء القصد 

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الصناعات الخفيفة بداية التحرر من التبعية

المنبر بين الرسالة والاستجداء حين تنقلب المقاصد ويصبح المال غايةً والدعوة وسيلة

سيميولوجيا الثورات: قراءة استخلافية في نتائج الثورات العربية على ضوء التجربة الفرنسية