تركيا بين الدور الوظيفي ووهم الاستعداد
تركيا بين الدور الوظيفي ووهم الاستعداد
ليست أخطر أدوات الاستعمار تلك التي تظهر في صورة احتلالٍ مباشر، ولا تلك التي ترفع راياته بصورة صريحة؛ بل ربما كانت أخطرها تلك التي تنجح في الظهور بمظهر البديل، وتمنح الشعوب بصيصًا من الأمل، وتترك في نفوسها انطباعًا بأن هناك قوةً قادمةً ستحمل الراية، وتجمع الصفوف، وتعيد للأمة حضورها.
إن الاستعمار، في قراءتنا لطبيعة سلوكه السياسي، لا يتعامل مع الشعوب باعتبارها كتلًا صامتة، بل يدرس حركة المجتمعات ونفسياتها وتطلعاتها، ويبحث عن نقاط القوة والضعف في الوعي الجمعي. فهو يدرك أن الشعوب إذا أُغلقت أمامها أبواب الأمل، وإذا أدركت أنها وحدها في مواجهة واقعها، فقد تبحث بنفسها عن طريق جديد، وقد تظهر فيها قيادة مستقلة تحمل مشروعًا حقيقيًا وتخرج عن المسارات المفروضة عليها.
وهنا تكمن خطورة وهم البديل.
فتركيا أداة من أدوات الاستعمار، وهذه حقيقة يفرضها واقع سياساتها ودورها؛ فهي تُستخدم لامتصاص طاقات المسلمين، واحتواء غضبهم، والحيلولة دون بروز قيادة إسلامية مستقلة يمكن أن تخرج عن الصف الصهيوأمريكي.
وللأسف، ما زال البعض يتوهم منذ زمن أن تركيا «تتجهز» لقيادة الأمة. نعم، هي تتجهز، ولكن لامتصاص غضب المسلمين أكثر، عبر الخطابات والشعارات والمواقف التي توحي بالقوة، بينما يبقى دورها الحقيقي محكومًا بوظيفتها داخل المنظومة الاستعمارية.
فحين تشعر الشعوب بأن هناك من سيحمل الراية عنها، وأن هناك دولةً تستعد لقيادة الأمة، وأن قوةً إقليميةً ستأتي يومًا لتجمع المسلمين وتواجه خصومهم، قد تتوقف حالة البحث عن البديل الحقيقي. ويصبح الأمل المعلّق على قوة خارجية وسيلةً لتأجيل الولادة السياسية والفكرية الحقيقية داخل الأمة.
ومن هنا يمكن فهم الجدل حول الدور التركي من زاوية مختلفة.
فالبعض يرى في تركيا دولةً تتجهز لقيادة الأمة، ويقرأ خطابها السياسي، ومواقفها الإعلامية، وبعض تحركاتها الإقليمية، باعتبارها مقدماتٍ لمشروع كبير قادم. لكن السؤال الأهم ليس: ماذا تقول تركيا؟ وإنما: إلى أي منظومة سياسية تتحرك؟ وما حدود قدرتها على اتخاذ قرار مستقل عندما تتعارض مصالحها مع إرادة القوى الكبرى؟
فالشعارات وحدها لا تصنع قيادة، والخطابات الحماسية لا تصنع استقلالًا، والمواقف المؤقتة لا تكفي لإثبات وجود مشروع تاريخي مستقل.
إن القيادة الحقيقية لا تُقاس بارتفاع الصوت، وإنما بقدرة القرار على الاستقلال.
وهنا تظهر المفارقة المؤلمة: قد تبدو الدولة في خطابها وكأنها تتقدم نحو حمل الراية، بينما تكشف سياساتها العملية أنها تتحرك داخل حدود مرسومة لها، وأنها لا تستطيع تجاوز الخطوط التي وضعتها المنظومة الدولية التي تتحرك في إطارها.
ولذلك فإن المشكلة ليست في أن تركيا تتحدث عن القوة، ولا في أن بعض مواقفها قد تبدو أكثر صدامًا من غيرها؛ المشكلة في تحويل هذه المظاهر إلى دليل على مشروع تحرري لم تتثبت مقدماته ونتائجه.
إن الأمة لا تحتاج إلى من يقنعها بأنه سيحمل الراية؛ بل تحتاج إلى مشروع قادر بالفعل على حملها.
والاستعمار، إذا كان قادرًا على قراءة سلوك الشعوب، فإنه يدرك جيدًا أن أخطر لحظة عليه هي لحظة انتقال الأمة من انتظار المنقذ إلى صناعة مشروعها بنفسها. ولهذا فإن إبقاء الشعوب في حالة انتظار دائم قد يكون أكثر فاعلية من قمعها بصورة مباشرة.
أن تنتظر الأمة دولةً ما كي تتحرك، وأن تفسر كل خطاب سياسي على أنه بداية نهضة، وأن تعلق آمالها على تحولات خارجية بدل بناء وعيها ومشروعها المستقل؛ كل ذلك قد يتحول إلى حالة من الشلل السياسي المغلف بالأمل.
وهنا ينبغي أن ننتبه إلى الفارق بين الأمل الحقيقي والوهم السياسي.
الأمل الحقيقي يدفع الإنسان إلى العمل، أما الوهم فيدفعه إلى الانتظار.
الأمل الحقيقي يبني، أما الوهم فيستهلك الزمن.
والأمل الحقيقي يجعل الأمة صاحبة قرارها، أما الوهم فيجعلها تراقب الآخرين منتظرةً منهم أن يقرروا مصيرها.
ومن هذه الزاوية، فإن السؤال عن تركيا لا ينبغي أن يكون سؤالًا عاطفيًا: هل ستقود الأمة أم لا؟ بل ينبغي أن يكون سؤالًا تحليليًا: هل تمتلك تركيا مشروعًا مستقلًا قادرًا على تجاوز المنظومة التي تتحرك داخلها، أم أن دورها الإقليمي، مهما بدا قويًا، يظل محكومًا بتوازنات وقواعد أكبر منها؟
إن الدولة التي تريد أن تحمل رايةً جديدة لا يكفيها أن تغيّر خطابها؛ عليها أن تغيّر موقعها، وأن تمتلك قرارها، وأن تتحمل تكلفة الاستقلال عندما يصبح الاستقلال مكلفًا.
أما أن ترفع الشعارات من جهة، ثم تعود في الملفات الحاسمة إلى حدود النظام الدولي نفسه، فهذه ليست قيادةً بالمعنى التاريخي؛ إنها، في أفضل الأحوال، إدارةٌ للأزمة داخل النظام القائم.
وهذا هو الواقع المرير الذي ينبغي أن نواجهه بلا تزييف ولا أوهام: قد تكون الصورة أقوى من الحقيقة، وقد يكون الخطاب أكثر استقلالًا من القرار، وقد تبدو الدولة وكأنها تسير نحو حمل الراية، بينما هي في الواقع تسير داخل المسار المرسوم لها.
لذلك لا ينبغي أن تخدعنا الصورة، ولا أن تستعبدنا الشعارات، ولا أن نحول الأماني إلى حقائق قبل أن تثبتها الوقائع.
إن مستقبل الأمة لا ينبغي أن يُبنى على انتظار دولةٍ ما، ولا على تفسير خطاب سياسي، ولا على صناعة بطلٍ إقليمي تنتظر منه الشعوب أن يفعل ما لم تفعله هي.
بل يبدأ المستقبل عندما تستعيد الأمة وعيها، وتقرأ الواقع كما هو، وتفرّق بين من يملك القرار ومن يملك الخطاب، وبين من يقود المسار ومن يتحرك داخله.
إن الاستهداف اللصهيوني الأخير لمطار أبو الظهور العسكري في الشمال السوري بالقرب من الحدود التركية يحمل أبعاداً جيوسياسية تجاوزت مجرد القصف الميداني؛ إذ أظهرت الاستراتيجية الصهيونية رغبة واضحة في فرض خطوط حمراء يمنع بموجبها إعادة تأهيل القدرات العسكرية السورية أو توسيع أي نفوذ إقليمي منافس. وفي المقابل، تجسد الرد التركي عبر تصريحات ومواقف سياسية محاطة بالدبلوماسية والحذر، حيث يظهر بوضوح أن أنقرة لا تستطيع الخروج عن مسار المستعمر.
وفي النهاية، يبقى المرجع الذي لا يتغير هو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ؛ ففيهما ميزان الهداية، وفيهما ما يعين على التمييز بين الحق والوهم، وبين البصيرة والتعلق بالأماني.
فلا يكفي أن نسأل: من سيحمل
الراية؟
بل علينا أن نسأل قبل ذلك: أي راية؟ وأي مشروع؟ ومن يملك القرار؟ وإلى أين يقودنا الطريق؟
فالأمم لا تولد من انتظار الآخرين، وإنما تولد حين تمتلك وعيها، وتعرف واقعها، وتتحمل مسؤولية مستقبلها.
والله من وراء القصد وآخر دعونا أن الحمد لله رب العالمين
تعليقات
إرسال تعليق