أسطورة القوة المطلقة: الوهم الصهيوني وسقوط الردع في ميزان الواقع

 

أسطورة القوة المطلقة: الوهم الصهيوني وسقوط الردع في ميزان الواقع

بقلم د. حسين موسى اليمني 

كاتب وباحث في العلاقات الدولية الإقتصادية 

سراب القوة ووهم التفوق المطلق

يسود لدى قطاع واسع من المراقبين والجمهور انطباع مظلل بأن الكيان الصهيوني يمر اليوم بأقوى لحظاته التاريخية وأنه بلغ ذروة التفوق والهيمنة. غير أن قراءة متأنية ومتعمقة لمسار الأحداث والوقائع الميدانية تكشف عن عكس ذلك تماماً؛ إذ يمر الاحتلال الصهيوني اليوم، على كافة المستويات العسكرية والسياسية والاقتصادية وحتى على صعيد العلاقات الدولية، بأضعف وأرذل مراحل وجوده التاريخي. إن ما يعيشه الكيان اليوم ليس سوى مخاض عجز استراتيجي عميق، تتكشف عوراته يوماً بعد يوم مع سقوط أسطورة الجيش الذي لا يُهزم وتآكل منظومات الردع التقليدية التي طالما تغنى بها قادته.


أولاً: من وميض الأيام الستة إلى عجز السنوات الطوال

شتان ما بين الأمس واليوم؛ ففي حرب عام 1967 (حرب الأيام الستة)، استطاع الاحتلال مستنداً إلى ظروف إقليمية ودولية مختلفة، وبدعم عارم وعقيدة عسكرية هجومية، أن يحسم المعركة الكبرى في ستة أيام فقط، مخلّفاً صدمة كبرى في الوعي العربي آنذاك.


أما اليوم، وفي مشهد مغاير تماماً، تنقضي الأعوام تلو الأعوام ، أكثر من ثلاث سنوات متواصلة من المواجهات العنيفة والمفتوحة دون أن ينجح الاحتلال في تحقيق أي من أهدافه الاستراتيجية المعلنة. إن استمرار الحرب وطول أمدها يعد في الفقه العسكري هزيمة صريحة للجيوش النظامية التي تبتغي دائماً الحسم السريع والخاطف. وكل عملية عسكرية، وكل غارة جوية وحشية، وكل قصف تدميري عشوائي يقوم به الاحتلال ليس دليلاً على قوة، بل هو التجسيد الحي والساطع على عجز الكيان وإخفاقه المتكرر في حسم المعركة أو فرض إرادته السياسية.


ثانياً: رمال غزة المتحركة وتداعي السيطرة

على الجبهة الأكثر اشتعالاً، عجز الاحتلال الصهيوني تماماً عن بسط سيطرته الكليا والمطلقة على قطاع غزة، رغم استخدام آلة دمار غير مسبوقة في تاريخ الحروب الحديثة. لقد تحولت جغرافية القطاع الصغيرة إلى رمال متحركة ومقبرة لدبابات الاحتلال وأحلام جنوده.


إن القصف المدمّر وسياسة الأرض المحروقة لم تفلح في كسر إرادة المقاومة، ولم تنجح في استعادة الأسرى بالقوة، بل أثبتت عجز الاحتلال عن خوض حرب برية مستدامة دون تكبد خسائر فادحة تجبره على التراجع والانكفاء. هذا الفشل في فرض السيطرة على مساحة جغرافية محدودة ومحاصرة لسنوات طويلة, هو الدوامة الحقيقية التي تؤكد تآكل القدرة العسكرية وتصدع العقيدة القتالية للمؤسسة العسكرية الصهيونية .


ثالثاً: الجبهة اللبنانية واليمنية وإيران: جبهات الاستنزاف المفتوحة

لم تقتصر مظاهر الضعف على جبهة غزة وحدها، بل امتدت لتشمل الجبهة اللبنانية ؛ فبالرغم من حجم الدمار الهائل والغارات الواسعة التي استهدفت البنية التحتية والقرى والبلدات، إلا أن جبهة لبنان لم تستسلم، وظلت عصية على الكسر، ومثلت جبهة استنزاف يومية مستمرة أقضّت مضاجع مستوطني الشمال وأفرغت المستوطنات من سكانها لأول مرة في تاريخ الصراع.


وعلى الصعيد الإقليمي الأوسع، جاءت المواجهة مع جبهة إيران لتعمق جراح الاحتلال وتكشف هشاشته الاستراتيجية؛ فلم يعد الكيان قادراً على التفرد بالمنطقة دون ردع متبادل وتكلفة باهظة تطال عمق كيانه. وكذلك جبهة اليمن والتي اوجعت الإحتلال بضرباتها المستمرة ، إن تشابك هذه الجبهات وتكاملها أثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الاحتلال بات عاجزاً عن حماية جبهته الداخلية، وفاقداً للقدرة على الحسم العسكري على أي جبهة من الجبهات، ناهيك عن إدارة حرب إقليمية متعددة الساحات.


رابعاً: الانكشاف السياسي والاقتصادي والدولي

لا ينفصل الضعف العسكري عن التصدع السياسي والاقتصادي الداخلي الذي يعصف بالكيان الصهيوني . فعلى الصعيد السياسي، تضرب حكومة الإحتلال أزمات عميقة وانقسامات غير مسبوقة، تفضح هشاشة الجبهة الداخلية وتآكل الثقة بين المستوطنين ومؤسسات الدولة.


أما اقتصادياً، فقد تكبد الكيان خسائر فادحة جراء تعطل قطاعات حيوية، وتراجع الاستثمارات، وارتفاع تكاليف الحرب بصورة قياسية، واستنزاف الموازنة العامة على نحو غير مسبوق. وعلى الصعيد الخارجي، يشهد الكيان عزلة دولية متزايدة، وتراجعاً غير مسبوق في شرعيته الأخلاقية والقانونية أمام الرأي العام العالمي، وملاحقات قضائية تاريخية لمسؤوليه بتهم ارتكاب جرائم حرب.


إن الناظر إلى عمق المشهد الصهيوني اليوم يدرك يقيناً أننا لقمة العنفوان، بل أمام شفق الانحدار التاريخي. إن الاعتماد المفرط على القوة المفرطة والبطش الأعمى ضد المدنيين ليس دليلاً على اقتدار، بل هو سلاح الضعيف العاجز عن تحقيق النصر العسكري الناجز. وإن تراكم هذه الإخفاقات على الأصعدة كافة يؤكد أن الاحتلال يدخل مرحلة الأفول الفعلي، وأن أسطورة القوة المطلقة قد سقطت إلى غير رجعة تحت أقدام الصمود الأسطوري لشعوب المنطقة ومقاومتها الحية.


والله من وراء القصد وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. 






تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الصناعات الخفيفة بداية التحرر من التبعية

المنبر بين الرسالة والاستجداء حين تنقلب المقاصد ويصبح المال غايةً والدعوة وسيلة

سيميولوجيا الثورات: قراءة استخلافية في نتائج الثورات العربية على ضوء التجربة الفرنسية