بين الاستنزاف والوعي: من يشعل نار الصراع العربي الإيراني؟

بين الاستنزاف والوعي: من يشعل نار الصراع العربي الإيراني؟

بقلم د. حسين موسى اليمني
كاتب وباحث في العلاقات الدولية الاقتصادية

من الأهداف الخفية  للحرب إيران إشعال الحرب العربية الإيرانية ! 
في كلِّ مرحلةٍ مضطربة من تاريخ المنطقة، تعود إلى السطح فكرة «إعادة تشكيل الشرق الأوسط» التي لا تُرسم بالحبر فقط، بل تُرسم بالنار أيضًا. ويشيع بين الناس تصوّرٌ مفاده أن ثمة مشروعًا يسعى إلى التمدّد كظلٍّ طويلٍ فوق جغرافيا الشرق، لا يتوقّف عند حدودٍ ولا يعترف بتوازنات، وأن ما يُسمّى بـ«إسرائيل الكبرى» ليس شعارًا عابرًا في أدبيات بعض المتطرفين، بل حلمًا يُخشى أن يجد طريقه عبر الفوضى والانقسام.

وتزايد التصريحات بهذا الشأن من قبل رئيس وزراء  الاحتلال أو سفير الولايات المتحدة لدى الاحتلال، وشخصيات دبلوماسية لها وزنها العالمي ، ما هي إلا مؤشرات يجب أن تُؤخذ على محمل الجد.

في وجه هذا المخطط اللعين يقف عائقان: مقاومةٌ تتشبّث بالأرض كما تتشبّث جذور الزيتون بترابها، وإرادةٌ سياسيةٌ أو إقليمية ترفض أن تنحني لريح العواصف. وإن الطريق إلى أي تمدّدٍ جغرافي أو هيمنةٍ إقليمية لن يُعبد إلا حين تُكسَر تلك الإرادات، أو تُستنزف حتى آخر رمق.

غير أن أخطر ما في المشهد ليس المواجهة المباشرة، بل الالتفاف الذكيّ حولها. وما نخشاه هو أن يُدفع العرب إلى صراعٍ مفتوح مع إيران، فتتحوّل بوصلة التوتر من صراعٍ مع الاحتلال إلى صراعٍ عربي إيراني يستنزف الجميع. عندها، يقاتل العرب من حيث لا يشعرون في معركةٍ تخدم خصومهم أكثر مما تخدمهم، ويغدو النزيف طويلًا، والعداء متوارثًا، والخراب متبادلًا.

في هذا السيناريو يخرج الخصم الأساسي من ساحة الاشتباك المباشر، ويترك الآخرين يتآكلون في حرب استنزافٍ لا غالب فيها. تنشغل العواصم ببعضها، وتُستنزف الموارد في صراعٍ جانبي، بينما تبقى القضية الأصلية معلّقةً في الهواء، بلا حلٍّ ولا أفق.

ثم إذا ما انطفأت شعلة الوعي، وتحوّلت المنطقة إلى مربّعات صراعٍ داخلي، فلن تتوقّف الريح عند حد. تمتدّ المخاوف من ضفاف النيل إلى تخوم الفرات، ومن عمّان إلى القاهرة، ومن بغداد إلى دمشق وبيروت، حتى تطال مساحاتٍ واسعة من جزيرة العرب. وعندها، لن تكون أنقرة بمنأى عن حسابات الخرائط المتقلّبة إذا انفرط عقد التوازنات.

قد يكون في هذا التصوّر قدرٌ من المبالغة، وقد يكون فيه قدرٌ من التحذير المشروع؛ لكنه في الحالتين يكشف عن قلقٍ عميق يسكن وجداني، قلقٍ على الأرض، وعلى الهوية، وعلى المستقبل.

غير أن السؤال الأخلاقي يظلّ أعمق من السؤال الجيوسياسي. ما الذي يميّز الأمة التي تحمل رسالةً وقيمًا؟ أهو الاصطفاف الأعمى خلف المصالح الآنية، أم الانحياز إلى العدل حيث كان؟

إن صاحب المنهج القويم في التصوّر الإسلامي لا يُقاس موقفه بمقياس العِرق ولا القومية ولا الثأر التاريخي، بل بمقياسٍ أوضح: أن يكون مع المظلوم، ولو اختلف معه، ولو كان بينهما خصام الأمس. فالعدل ليس شعارًا يُرفع عند الاتفاق، بل قيمةٌ تُختبر عند الاختلاف.

وهنا تتجلّى المفارقة: حين يتحوّل الخلاف السياسي إلى اقتتالٍ أهلي أو إقليمي، تضيع البوصلة، ويُستبدل معيار العدل بمعيار الهوى، ويصبح الدم وقودًا لمعارك لا يعرف أحدٌ من أشعل فتيلها أولًا، ولا من سيطفئها آخرًا.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن تختلف الدول، بل أن يُعاد تعريف العدوّ والصديق وفق حساباتٍ آنية تُغفل الصورة الكبرى. فالتاريخ يُعلّم أن الأمم التي تُستدرج إلى صراعاتٍ جانبية تفقد قدرتها على تقرير مصيرها، وتتحوّل من حيث لا تشعر إلى أدواتٍ في لعبة أممٍ أكبر.

يبقى السؤال معلّقًا في فضاء الأمة:
كيف نفكّر؟
وهل نملك شجاعة مراجعة المسلّمات قبل أن تتحوّل إلى مساراتٍ لا عودة منها؟
وكيف نصنع مستقبلًا تُدار فيه الخلافات بالحكمة، لا بالاقتتال، وتُحفظ فيه الكرامة دون أن يُستنزف الوجود؟

ليست الخرائط قدرًا محتومًا، ولا الصراعات قانونًا أبديًا. ما يُرسم اليوم يمكن أن يُمحى غدًا، وما يُؤجَّج بالنار يمكن أن يُطفأ بالعقل. وبين الخوف واليقين مساحةٌ اسمها الوعي؛ فإن وُجد، تغيّر المسار، وإن غاب، تكاثرت الخرائط على حساب الإنسان.

والله من وراء القصد، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

السبب الكوني والوسيلة الشرعية: تفكيك الإشكال في إثبات هلال رمضان

تأملات في جدلية الدم والسياسة ومفارقات في المشهد السوري

الصناعات الخفيفة بداية التحرر من التبعية