السبب الكوني والوسيلة الشرعية: تفكيك الإشكال في إثبات هلال رمضان

 السبب الكوني والوسيلة الشرعية: تفكيك الإشكال في إثبات هلال رمضان

بقلم: د. حسين موسى اليمني
كاتب وباحث

الحساب الفلكي وسيلةٌ لضبط ميقاتٍ شرعي لا بديلٌ عن النص

نبدأ هذا المقال سعيًا إلى الإسهام في إيجاد حلٍّ للإشكال المتكرر الذي يقع فيه المسلمون في شتى أصقاع الأرض، وهو الاختلاف المستمر في إثبات هلال رمضان وبداية الشهور القمرية.

وقبل أن نخوض في تفاصيل هذه المسألة، لا بد أن نقف عند نقطةٍ منهجيةٍ في غاية الأهمية، وهي نقطةٌ كثيرًا ما يُطالَب طلاب العلم بضبطها وفهمها فهمًا دقيقًا؛ لأن الخلل فيها يؤدي إلى اضطرابٍ في الفهم العام للأحكام الشرعية.

الفرق بين الغاية والوسيلة

الغاية هي الهدف الأسمى الذي يُقصَد ويُراد لذاته.
أما الوسيلة فهي الطريق أو الأداة التي يُتوصَّل بها إلى تحقيق تلك الغاية.

قد تكون للإنسان غايات متعددة، ولكل غايةٍ في الغالب وسيلةٌ أو وسائل متعددة تُفضي إليها. وهنا يبرز السؤال المهم:

هل الوسائل ثابتة لا تتغير، أم أنها قابلة للتغير بتغير الزمان والقدرة والمعرفة؟
الجواب أن الوسائل في كثير من الأحيان متغيرة، بخلاف الغايات التي تبقى ثابتة.

مثال الحج: الغاية ثابتة والوسيلة متغيرة

لننظر إلى فريضة الحج. الغاية عبر العصور واحدة: أن يقصد المسلم بيت الله الحرام مؤديًا فريضة الحج أو العمرة طاعةً لله تعالى.
لكن الوسائل تغيّرت: قديمًا كان الناس يسافرون بالقوافل ويستخدمون الجمال والخيول والدواب، وتستغرق الرحلة شهورًا طويلة. أما اليوم فيسافر الناس بالطائرات، أو بالسيارات، أو بالسفن الحديثة.
هل قيل إن ركوب الطائرة محرّم لأنه لم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم؟ بالطبع لا.
لأن الحج هو الغاية، أما وسيلة الوصول إليه فمتروكة لما يحقق المقصود بأيسر طريق وأدق وسيلة.

تطبيق القاعدة على مسألة الأهلة

ينبغي أن نسأل أولًا: ما الغاية؟ وما الوسيلة؟

  • الغاية: صيام شهر رمضان عند دخوله حقيقةً.
  • الوسيلة: في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كانت رؤية الهلال بالعين المجردة.

هل الرؤية غايةٌ مقصودة لذاتها، أم وسيلة لإثبات دخول الشهر؟ فهم هذا الفرق يحل جزءًا كبيرًا من الإشكال.

دخول الشهر هو السبب الكوني، وأن الرؤية أو الحساب كليهما وسيلتان لإثباته بطريقة أصولية محكمة.
النص القرآني قال:
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ (البقرة: 189)
فالآية صريحة في أن وظيفة الأهلة هي تحديد المواقيت، أي أنها علامة زمنية، وليست عبادة مقصودة بذاتها.

القياس على مواقيت الصلاة

معنى قوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾
كلمة "شهد" في اللغة لا تعني فقط الرؤية البصرية، بل تعني الحضور والإدراك والعلم.
فنقول:
شهد فلان الواقعة = علم بها وأدركها.

شهد الشهر = أدرك دخوله وتيقنه.

فلو أدركنا دخول الشهر بالحساب القطعي، فقد شهدناه علمًا، ولو لم نره بأعيننا.
 لماذا لا ننتظر الرؤية في الصلاة؟

قال تعالى: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾
الدلوك ظاهرة كونية (زوال الشمس). ومع ذلك لا نراقب الظلال في الطرقات بل نعتمد على الحسابات الفلكية الدقيقة.
فإذا جاز اعتماد الحساب في الصلاة، وهي عمود الدين، فهل لا يجوز النظر إليه في الصيام. 

وإن قال أحدهم تم التأكد من دقة التوقيت ولهذا يعتمد ،  فإن الحساب الفلكي مؤكد مئة بالمئة .

        هل الحساب الفلكي يفيد اليقين؟

اليوم علم الفلك يحدد لحظة الاقتران بالدقيقة والثانية ويحدد إمكانية الرؤية بدقة عالية، فالحساب أصبح وسيلة علمية لضبط السبب الكوني نفسه.

وأيضاً لا تعارض مع قول النبي صل الله عليه وسلم

«مَنْ صَامَ اليَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ صل الله عليه وسلم »

كما أن القاعدة الأصولية تقول:

 اليقين لا يزول بالشك.

وهذا يعني أننا حقا على يقين أن يوم الأربعاء هو الأول من رمضان

والحساب في هذه الحالة أقرب إلى اليقين .

هل النبي صل الله عليه وسلم منع الحساب؟

النبي صل الله عليه وسلم قال:

> «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب»

والذي لا بد من الوقوف عليه هذا الحديث النبوي

«صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ».

فهو واضحٌ وضوحَ الشمس من خلال كلمة «فَاقْدُرُوا لَهُ».

وهذه الكلمة تفتح المجال واسعاً لإستخدام العلم والتكنلوجيا ، لضبط الوقت.

هذا وصفٌ لحال الأمة في ذلك الزمن، لا حكمٌ تعبدي دائم.

بدليل:

نحن نكتب اليوم.

ونحسب.

ونستخدم الطائرات للحج والعمرة.

ونستعمل مكبرات الصوت.

ونحدد القبلة بالأقمار الصناعية.

فلم يقل أحد إن هذه بدع، لأنها وسائل.

فكما تطورت وسائل السفر، تطورت وسائل ضبط الوقت.

موقف الفقهاء

ذهب جمهور الفقهاء، ومنهم  المذاهب الأربعة ، إلى عدم اعتماد الحساب الفلكي استقلالًا في إثبات دخول الشهر، وإنما الاعتماد على الرؤية أو إكمال العدة.
الرأي كان قائمًا على الواقع العلمي في زمانهم، حيث لم تكن الحسابات الفلكية دقيقة كما هي اليوم، فكان الاعتماد على الرؤية أكثر موثوقية شرعًا.

بينما ذهب بعض العلماء المتأخرين والمعاصرين إلى جواز الاستفادة من الحساب الفلكي، خاصة في نفي الرؤية المستحيلة فلكيًا، بل واعتباره طريقًا لإثبات الدخول عند حصول القطع.

إذا ثبت علمًا أن رمضان دخل يوم الثلاثاء،

فمن صام الخميس يكون قد صام اليوم الثاني، لا الأول من رمضان .

وهنا يطرح السؤال المنطقي:

 إذا أدركنا أن الشهر قد دخل، فلماذا نفطر؟

علمياً شهر رمضان دخل ليلة الأربعاء فمن لم يصم يوم الأربعاء  ،أضاع يوم من رمضان !! وسيصوم 29 يوم وليس 30 يوماً.

وإذا علمنا أن الشهر لم يدخل بعد، فلماذا نصوم؟

العبادة مبنية على تحقيق الوقت، لا على طريقة إثباته .

                   ومن هنا نقول : 

  1. السبب الشرعي للصيام هو دخول الشهر.
  2. الرؤية كانت الوسيلة المتاحة في زمن الأمية.
  3. الحساب اليوم وسيلة أدق لإثبات نفس السبب.
  4. القرآن قرر أن الأهلة مواقيت.
  5. الوسائل تتغير، والغايات ثابتة.
  6. المسألة اجتهادية، ولا يجوز أن تكون سببًا للتنازع أو التبديع.
  7. مثلًا: أنت تعرف باليقين أن الشمس طلعت اليوم الساعة 6:00 صباحًا بناءً على التقويم وبسبب الغيوم لا يجوز أن تقول «لا، الشمس لم تشرق بعد» بعد هذا اليقين ، بنفس المنطق، إذا ثبت بالعلم والحساب القطعي أن الهلال بدأ الشهر، فالإنكار مثل إنكار الواقع الذي تحقق باليقين.

و الحساب الفلكي ليس بديلًا عن الشرع، بل وسيلة لفهم العلامة الكونية التي جعلها الله ميقاتًا للناس.

أما حكم من أفطر يومًا من رمضان خطأً أو جهلاً

القول الراجح عند جمهور الفقهاء: إذا أفطر المسلم يومًا من رمضان عن جهل أو خطأ (مثل عدم اليقين بدخول الشهر أو سوء تقدير)، يجب عليه القضاء بعد رمضان عن هذا اليوم. لا كفارة عليه، لأنه لم يكن الإفطار عن عمد أو تمرد على فرض الله، وإن كان متعمداً وجبت التوبة والقضاء والكفارة.

والله من وراء القصد وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مؤشر الرضا في سوريا بين انخفاض وارتفاع

سوريا الموحدة: النصر الأول ضد الهيمنة الإيرانية والصهيونية وبوابة النهضة العربية والإسلامية