تأملات في جدلية الدم والسياسة ومفارقات في المشهد السوري
تأملات في جدلية الدم والسياسة ومفارقات في المشهد السوري
بقلم د. حسين موسى اليمني
كاتب وباحث في العلاقات الدولية الاقتصادية.
السياسة فوق الدم :مفارقات التحالفات في المشهد السوري .
دعونا ننظر إلى بعض المشاهد التي حصلت في سوريا بمعيار الوعي ومعيار المقارنة الواحدة، لا بمعيار يخدم جهة دون أخرى. دعونا نتفكر في هذا الأمر.
أولاً، لو رجعنا إلى التاريخ، إلى الاحتلال الفرنسي لسوريا، قتل الأطفال والشيوخ ولم تسلم الحرائر. فقُتلت حرائر سوريا واغتُصِبن، ودُمِّر الشجر والحجر. كان ذلك انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان في ذلك الوقت تحت مفهوم الاستعمار والتوسع والحصول على خيرات البلاد. حتى وقف القائد الفرنسي غورو عند قبر صلاح الدين وركله بقدمه وقال: ها قد عدنا يا صلاح. إهانة عبر التاريخ. دمار من هذا المحتل لم يتوقف، بل ما زال هذا المحتل يدعم كافة أوجه الاحتلال المستمر على أرضنا، حيث إنه الداعم الأول للاحتلال الصهيوني في منطقتنا، وهو الداعم الأول لمشروعهم في التوسع وإقامة ما يسمى إسرائيل الكبرى.
قام الشرع بوضع هذه الخلافات كلها جانباً وسار نحو باريس ليتقرب من فرنسا، بحجة ماذا؟ العلاقات الدبلوماسية التي نسعى من خلالها إلى توطيد العلاقات وإلى بناء سوريا جديدة.
لنضع هذا المشهد جانباً وننتقل إلى مشهد آخر.
أمريكا، الشرير الوحيد على هذه الأرض. لا توجد مفسدة في هذه الأرض إلا ولها يد مشاركة في هذا العمل. بل إن معظم العمليات التفجيرية الإرهابية التي كانت تحصل في الشرق الأوسط كانت بدعم أولي من الصهيوني الأمريكي. فهم كانوا على علم بكل هذه التحركات، وهم الذين كانوا يستخدمونها لتأجيج الصراع الداخلي لنقتتل فيما بيننا، ليقتل الأخ أخاه. فكانوا هم يحركون المشهد كما يشاؤون.
دخلوا العراق، وقتلوا الأطفال والنساء. أكثر من مليون طفل قُتل في العراق، وهذا ما وصلت إليه الإحصائيات الأخيرة، فربما هناك إحصائيات أخرى لم تُذكر، ولا نعلم ماذا حصل. وأيضاً دمروا العراق وسلموه لغريم السنة، ليس حباً بالشيعة بل لمزيد من الاقتتال الداخلي. فهم يتمتعون برؤية الدم المسلم يُسفك على هذه الأرض.
وبعد ذلك دخلوا إلى أفغانستان، وشاركوا في كل فتن الوطن العربي بلا استثناء، فقتلوا الأطفال والنساء ودمروا الشجر والحجر. وكان الشرع من أوائل من يهرول إلى البيت الأبيض ويتغنى بعلاقته مع أمريكا بحجة أنه يريد بناء سوريا جديدة قوية متماسكة، وأن العلاقات الدبلوماسية لا تنظر إلى خلافات الماضي.
لنضع هذا المشهد الآخر جانباً ولنذهب إلى روسيا.
روسيا الشريك الأول في جرائم بشار الأسد في سوريا. روسيا كانت هي التي تهندس، وهي التي ترسل، وهي التي تخطط، وهي التي تحدد الأهداف، وهي التي تقصف وتضرب. فكافة دماء أهلنا في سوريا كان النظام الروسي شريكاً بقوة في سفكها، ووقف بكل قوة مع بشار الأسد.
ولنقلها بصورة مختلفة: إن الوجه الآخر لبشار هو روسيا.
ورغم كل ذلك هرول الشرع بكل ما أوتي من قوة إلى روسيا لتوثيق العلاقات، بحجة أنه يريد أن يرى سوريا جديدة خالية من الخلافات، ولا يريد أن ينظر إلى خلافات الماضي. فلنبنِ سوريا بحاضرها ولننظر إلى المستقبل.
لنضع هذا الأمر جانباً.
لنأتِ إلى الشيعة. الشيعة أيضاً أجرموا في سوريا، وقتلوا الأطفال والنساء، ولا ينكر أحد هذا الإجرام. ولكن الذي ننكره الآن، والذي لا يدخل ضمن المعايير الثلاثة التي ذكرناها، هو أنه لا يوجد ضبط للمصالح بين سوريا وإيران.
على الأقل العدو الأوحد بيننا وبينكم عدو واحد، فلماذا لا نتعاون بشأن هذا العدو؟ في حين أن العدو بين سوريا وروسيا مختلف، وبين سوريا وفرنسا مختلف، وبين سوريا وأمريكا مختلف. بل هناك شريك واحد. لاحظوا المعادلة كيف أصبحت: هناك شريك واحد وهو الاحتلال الصهيوني.
فكيف أوثق العلاقات معهم لدعم الاحتلال الصهيوني في فلسطين، ولا أتناسى الجراح في معركة مع الشيعة، في حين تناسيتها في معركة مع فرنسا ومع روسيا ومع أمريكا؟
ألا يُعتبر هذا منظوراً سلبياً؟ ألا تُعتبر هذه ازدواجية في المعايير؟
والعجيب في الأمر أنه حينما يصل النقاش إلى الشيعة تُرفع الشعارات التكفيرية وتُستحضر الخلافات العقائدية، ويثور المجتمع بأن هؤلاء هم أصل الإرهاب، وهم أكثر الناس عداوة لنا من خلال ميزان الدم والعقيدة.
ولكن السؤال نفسه: ألا تُعتبر فرنسا وروسيا وأمريكا صلب الموضوع الحقيقي في ميزان الدم والعقيدة؟ ألم يعتدوا علينا؟ فلماذا أنزلنا هذه الشعارات في علاقاتنا معهم ورفعناها في علاقاتنا مع الشيعة؟
لا يُفهم من هذا الأمر إلا أمر واحد، وهو أن البوصلة الحقيقية في منطقتنا لا تحركها الوطنية ولا تحركها المبادئ والمصالح، ولا تحركها سوريا الجديدة، بل الذين يحركونها هم الصهيوأمريكان. هم الذين يعرفون مصالحهم ويريدون أن تكون سوريا وفق رؤيتهم، تُبنى بناءً على مصالحهم.
ربما يسأل سائل ويقول: فما علاقة الولايات المتحدة الأمريكية بروسيا؟ نعم، العلاقة السطحية والمعروفة أنهم يتحاربون، ولكن في الداخل هناك مصالح بينهما. هناك تقسيمات بين الكعكة السورية. وربما كانت هناك تحذيرات من روسيا بأنه إذا لم تكن هناك علاقة بين النظام الجديد ولم تكن هناك مصالح بينهما، فإنها ستتدخل بكل قوة ليتحول هذا النظام إلى شرارة تؤذيهم. وبهذا كان لابد من تقسيم هذه الكعكة.
متى نُفيق من سكرتنا ونخرج من غفلتنا وندرك بأن الصهيوأمريكان هم عدونا اللدود؟ هم الذين جاءوا ليثبتوا أركانهم في الشرق الأوسط، وهم يستخدمون الحكام كأدوات للشطرنج يحركونهم كما يشاؤون.
فإذا كان الحاكم يسير ضمن مخطط الصهيوأمريكان ويحافظ على مصالحهم في المنطقة باركوا فيه ورحبوا به ودعوا إلى اتباعه، وإذا كان الحاكم يختلف معهم في هذا الأمر ويطالب بالحرية نعتوهُ بالإرهاب.
هذه هي الحقيقة القاسية المُرّة. وللأسف تجد أننا، كسياسة القطيع، نتبع كل ما تخطط به أمريكا. أمريكا تقول لنا بأن هذا عدونا، فنقول هذا عدونا. أمريكا تقول لنا بأن هذا حليفنا، فنقول هذا حليفنا.
وفي النهاية نحن نبني المشروع الصهيوأمريكي باتباعنا لسياسة أمريكا في المنطقة.
انظروا إلى الخليج العربي. أصبح أهدافاً مشروعة لإيران. لماذا؟ لأن أراضينا مليئة بالقواعد العسكرية التي لم تأتِ لتحمي بلادنا، بل جاءت لتحمي المشروع الصهيوني في المنطقة. كافة الرادارات والدفاعات الصاروخية تحولت من الخليج إلى أرض فلسطين المحتلة للدفاع عن الاحتلال، لا للدفاع عن أرض الخليج.
لماذا؟ لأنهم لا يسعون لحماية الخليج، بل يسعون في الدرجة الأولى لحماية الاحتلال الصهيوني.
متى ندرك هذه الأمور؟ متى تصبح لدينا غيرة على الواقع؟ متى نبني أمتنا بأيدينا وليس بأيدي الصهيوأمريكان؟
فطالما أننا نتشبث ونتمسك بهذا العدو الغادر، فوالله لن نتحرر، بل سيقوم في كل فترة بخلق النزاعات والخلافات لتبقى هذه المنطقة في صراعات مستمرة.
فنسأل الله عز وجل أن يوحد كلمة هذه الأمة، وأن يبعدنا عن الصهيوأمريكان الغادرين، وأن نقيم حكم الله عز وجل على هذه الأرض كما يرضاه الله سبحانه وتعالى عنا.
والله من وراء القصد، والحمد لله رب العالمين.
تعليقات
إرسال تعليق