أثار العملة الذهبية على الإقتصاد الدولي

 أثار العملة الذهبية على الإقتصاد الدولي .

بقلم: د. حسين موسى اليمني 

أكاديمي وباحث في العلاقات الدولية والاقتصادية

يمثل النظام المالي العالمي المعاصر معضلة كبرى في تاريخ العلاقات الدولية، حيث انتقل من كونه وسيلة لتسهيل التبادل التجاري إلى أداة للهيمنة السياسية وفرض التبعية الاقتصادية. إن المتأمل في تاريخ التحولات المالية منذ منتصف القرن العشرين يدرك تمام الإدراك أننا نعيش في ظل نظام قائم على الخديعة الكبرى، حيث تم فك الارتباط بين القيمة الحقيقية المتمثلة في الذهب وبين الأوراق النقدية التي لا تحمل في طياتها إلا وعوداً واهية بالدفع، لا تسمن ولا تغني من جوع في ظل الأزمات العاصفة.

لقد بدأت فصول هذه المسرحية الاقتصادية في عام 1944، حينما اجتمع ممثلو أربع وأربعين دولة في مؤتمر بريتون وودز، لرسم ملامح النظام المالي لما بعد الحرب العالمية الثانية. وفي تلك اللحظة التاريخية المثقلة بالفوضى والدمار، فرضت الولايات المتحدة الأمريكية شروطها بأن يكون الدولار هو العملة الوحيدة القابلة للاستبدال بالذهب، وهو ما عُرف بنظام صرف الذهب. ومن رحم هذا المؤتمر ولد صندوق النقد الدولي، ليكون الحارس الأمين على هذه الهيمنة الأحادية. ولكن، وعلى الرغم من هذا التفرد، لم تسلم القوة المهيمنة من براثن الأزمات الاقتصادية الناجمة عن العجز في الميزانيات وتآكل الاحتياطيات، مما دفع الرئيس الأمريكي نيكسون في عام 1971 إلى اتخاذ قراره الشهير بوقف تحويل الدولار إلى ذهب، فيما عُرف بصدمة نيكسون، والتي كانت بمثابة إعلان وفاة للمعاهدة وإيذاناً ببدء عصر العملات الورقية المجردة.

بعد هذا الانهيار الأخلاقي للمعاهدات الدولية، استسلم العالم لواقع مرير، حيث أصبح الدولار هو الغطاء الوحيد لعملات الدول، كبيراً وصغيراً. ودخلنا في نفق مظلم سمي بنظام التعويم المدار، وهو نظام يفتقر إلى العدالة التوزيعية، حيث تُترك العملات لقوى العرض والطلب المشروطة بتدخلات المصارف المركزية الكبرى، مما أدى إلى أزمات متلاحقة، لعل أبرزها أزمة النمور الآسيوية عام 1997، حينما انهارت العملات أمام هجمات المضاربين والافتقار إلى رصيد حقيقي يدعم قيمتها.

إن السؤال الجوهري الذي نطرحه  هو: ماذا يعني إحلال العملة الذهبية الجديدة وأثرها على اقتصاديات العالم؟ قبل الإبحار في الإجابة، يجب أن نكشف النقاب عن وقائع تاريخية يغفل عنها الكثير من المنظرين الذين يروجون للعملات الورقية كخيار مثالي. إن ما قامت به القوى الرأسمالية يمثل في جوهره عملية اختلاس دولي منظمة. ففي ثلاثينيات القرن الماضي، أصدرت الإدارة الأمريكية قانوناً يحرم اقتناء الذهب، مجبرة المجتمع على استبدال مدخراتهم الذهبية بأوراق مالية. وبعد إفراغ الأسواق من المعدن النفيس، تم تخفيض قيمة الدولار بنسبة تجاوزت الأربعين بالمئة، ثم أُعيد السماح باقتناء الذهب ولكن بأسعار مضاعفة، مما مكن الدولة من سرقة ثروات الشعوب بدم بارد وتحت غطاء قانوني واهٍ.

هذه الممارسات هي التي تُدرس اليوم في الجامعات العالمية كأدوات للسياسة المالية المعالجة للأزمات، بينما هي في الحقيقة أدوات لتعميق التبعية وإدارة الفقر. إن صندوق النقد الدولي، الذي يحرم على الدول الأعضاء ربط عملاتها بالذهب، يمثل الذراع السياسي والمالي لهذه المنظومة. وقد تساءل الكثيرون، ومنهم أصوات حرة داخل الكونجرس الأمريكي نفسه، عن أسباب هذا التحريم المطلق، ولم يجدوا إجابة شافية، لأن الإجابة تعني ببساطة انهيار منظومة الاستعباد الورقي.

ومن هنا، تبرز أهمية الرؤى التي طرحها قادة مخلصون مثل الدكتور مهاتير محمد، الذي دعا صراحة إلى إعادة استخدام الدينار الذهبي للتخلص من براثن الاستغلال الغربي. إن العودة إلى قاعدة الذهب وإصدار العملات المكونة من الدينار الذهبي والدرهم الفضي ليست مجرد حنين للماضي، بل هي ضرورة حتمية لتحقيق السيادة الاقتصادية. إن العملة الذهبية تمتلك قيمتها في ذاتها، ولا تحتاج إلى ثقة مستمدة من قرارات سياسية أو تدخلات من منظمات دولية مشبوهة.

إن إحلال العملة الذهبية يعني بداية السقوط الحتمي للنظام المالي الزائف. فالمجتمع الدولي اليوم يعاني من أزمات تضخمية مزمنة بدأت تظهر ملامحها بوضوح بعد سقوط معاهدة بريتون وودز. لقد أصبح النظام الحالي مثل الشيخ المسن الذي يعيش على جرعات تقوية مؤقتة، وسرعان ما يعود إلى فراش المرض. والأزمات التي شهدناها، مثل أزمة الرهن العقاري عام 2007، ما هي إلا أعراض لمرض عضال يتمثل في الربا والائتمان الوهمي الذي لا يقابله إنتاج حقيقي أو قيمة ملموسة.

إن الحل الوحيد للخروج من هذا المأزق التاريخي هو البحث عن نظام عالمي جديد يتحرر من عبودية الدولار. فالعالم بأسره اليوم مرتبط بهذا الحبل الورقي ، فإذا اهتز الدولار اهتزت معه اقتصادات الدول المصدرة للنفط والاستثمارات الخارجية والعملات الوطنية. أليس من العجب أن نعيش في عصر الانفتاح والنمو، بينما نردد كالببغاوات نظريات الغرب التي لم تجلب لعالمنا الإسلامي ودول العالم الثالث إلا مزيداً من الفقر والتخلف منذ سبعين عاماً؟

إن نجاح تطبيق العملة الذهبية، ولو في دولة واحدة تمتلك الإرادة السياسية، سيؤدي إلى كشف زيف النظام الرأسمالي. فالعملة الذهبية لا تخشى المقاطعة الدولية، لأن قيمتها محفوظة في مادتها. وحتى لو فُرضت عليها عزلة تجارية، فإنها ستقود ما نسميه بـ اقتصاد الظل الإيجابي، حيث سيندفع المستثمرون والتجار والباحثون عن الأمان المالي نحو هذه العملة طلباً للحماية من تقلبات العملات الورقية الوهمية. إن منطقة الشرق الأوسط، التي تعيش حالة من الاضطراب السياسي، تفتقد بشدة إلى وسيط تجاري يحفظ القيمة، والعملة الذهبية هي المرشح الوحيد لملء هذا الفراغ.

تدريجياً، ستؤدي العملة الذهبية إلى سحب البساط من تحت أقدام القوى الرأسمالية العالمية، وستحدث أزمة كبرى للنظام الورقي، لأن الناس بطبيعتهم يميلون إلى ما هو حقيقي ومستقر. وسيتوجه المستثمرون نحو البيئات الاقتصادية الآمنة التي تعتمد الدينار الذهبي، مما يشجع على بناء روابط اقتصادية دولية جديدة قائمة على العدالة والشفافية، لا تعرف التضخم ولا الاستغلال، ولا تخدم مصالح الأقليات القابضة على زمام القرار العالمي.

إن المناداة بالعملة الذهبية هي في حقيقتها حرب اقتصادية مقدسة ضد الوهم. إنها دعوة للتحرر من العبودية المالية التي أغرقت الشعوب في ديون لا تنتهي. لقد حان الوقت ليقوم رجال الاقتصاد في عالمنا الإسلامي بدورهم الريادي، بدلاً من الركض وراء نظريات الخلاص من الفقر التي يكتبها الجلاد لضحاياه. إن السيادة لا تكتمل إلا بامتلاك العملة التي لا يستطيع أحد إبطال قيمتها بقرار سياسي من وراء البحار.

ختاماً، إن سقوط النظام المالي الحالي ليس مسألة إذا، بل هي مسألة متى. والحل يكمن في العودة إلى الفطرة الاقتصادية السليمة، حيث المال هو الذهب والفضة، وحيث الممارسة الإنتاجية هي المعيار الحقيقي للنمو، وليس المضاربات الورقية في بورصات الوهم. إننا نضع هذا التحليل أمام الباحثين وصناع القرار، آملين أن يكون لبنة في بناء فكر اقتصادي حر، ينشد العدالة ويحقق الرفاهية الحقيقية للأمم.

والله من وراء القصد، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

اليمني، حسين موسى. (2014، نوفمبر 15). آثار العملة الذهبية على الاقتصاد الدولي. مقال منشور (أرشيف دنيا الوطن ).

​ملاحظة: نُشر هذا المقال أصلاً في منصة إلكترونية توقفت عن العمل (دنيا الوطن)، ويُعاد إثبات محتواه وتطويره كوثيقة فكرية وتاريخية للكاتب، نظراً لما يمثله من استشراف مبكر لأزمات النظام المالي العالمي.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تأملات في جدلية الدم والسياسة ومفارقات في المشهد السوري

السبب الكوني والوسيلة الشرعية: تفكيك الإشكال في إثبات هلال رمضان

الصناعات الخفيفة بداية التحرر من التبعية