الاستثمار الأجنبي المباشر وأثره في تزايد نسبة البطالة بقلم
الاستثمار الأجنبي المباشر وأثره في تزايد نسبة البطالة
بقلم الدكتور حسين موسى اليمني
أكاديمي وباحث في العلاقات الدولية والاقتصادية
إن أي دولة من دول العالم الثالث تجدها تبحث وبشغف عن الاستثمارات الأجنبية المباشرة قصيرة وطويلة الأجل، ظنا منها أن هذه الاستثمارات تعود بالتنمية والنهوض بالاقتصاد الوطني. وما أن تتفوه لأحد بأن الاستثمار الأجنبي يعتبر سببا من أهم أسباب تزايد نسبة البطالة، حتى يتوجه لك بالسؤال: كيف؟ وفي واقع الأمر حتى الاقتصاديون أنفسهم لا يدركون الخطر المحدق المتأتي من الاستثمار الأجنبي المباشر، وخاصة الخطر على الدول المتخلفة.
إن نسبة كبيرة من الاستثمارات الأجنبية في الدول الإسلامية تقوم على ما يسمى بالأموال الطائرة، وهي استثمارات قصيرة الأجل وسريعة الفوائد التي تحقق لها عوائد ضخمة، دون تحقيق أي نمو للاقتصاد الوطني. وبالتالي فإن دخول العملات الأجنبية بكميات وخروجها سيؤدي إلى ذبذبة أسعار صرف العملات. وفي حال دخول الاستثمارات على فترة طويلة الأجل، فإن هذه الشركات لا تباشر عملها إلا بعد حصولها على الكثير من الضمانات السياسية والاقتصادية، رغم أن هذه الامتيازات تفتقر لها الشركات وأصحاب رؤوس الأموال الوطنية. وبالتالي تكون الاستثمارات الأجنبية المباشرة على حساب الاستثمارات المحلية، فضلا عن ذلك فإن معظم استثمارات تلك الشركات تقتصر على السلع الاستهلاكية التي تحقق عائدا أسرع ودرجة قليلة من المخاطرة، وبالتالي تحقيق السمة الرئيسة للعالم الثالث وهي سمة الاستهلاك، فهي دول استهلاكية، والاستثمارات فيها تقوم على ذلك.
إن السلبيات المجنية من الاستثمارات الأجنبية كثيرة، ومن أهم هذه السلبيات زيادة البطالة في الدول المستضيفة للاستثمار الأجنبي المباشر. وتتم زيادة البطالة من خلال نقل المعارف الفنية وتوطينها في الدولة المضيفة، والتي تتطلب أيدي عاملة أقل بكثير من الآلات التقليدية، ومع سرعة انتشارها تتقلص الأيدي العاملة تدريجيا في البلد المستضيف.
والسبب الثاني والرئيسي في زيادة البطالة هو أن هذه الشركات العملاقة التي تستثمر في البلاد المتخلفة تمتلك موارد مالية ضخمة تزيدها صلابة أمام المتغيرات الداخلية والخارجية التي تواجهها. وفي المقابل نجد أن الشركات الوطنية الصغيرة الضعيفة الهزيلة لا تستطيع الصمود أمام المتغيرات الداخلية والخارجية وهي وحدها في الميدان وبدون منافسة قوية، فكيف ستصمد في حال المنافسة الشرسة ذات الموارد المالية الضخمة والمعارف الفنية الحديثة والخبراء الفنيين والإداريين؟ فسرعان ما ستسقط تلك الشركات في الهاوية حتى تغلق أبوابها فاتحة المجال للشركات العملاقة الأجنبية بالتفرد بالأسواق الداخلية، وبالتالي تكوين جيوش من البطالة جراء إغلاق الشركات الصغيرة أبوابها. ناهيك عن ذلك، فإن معظم الشركات العابرة للقارات لا تستعين بالخبراء والفنيين إلا من البلد الأم.
وكافة الدول في واقع الأمر تسعى إلى استقطاب الاستثمارات الأجنبية، والمملكة العربية السعودية كانت قد احتلت مراتب متقدمة عالميا من حيث استقبال التدفقات الاستثمارية الأجنبية المباشرة، وهي متأثرة بالبطالة الاستثمارية بسبب تزايد الاستثمار الأجنبي فيها من ثمانية وستين مليار وستمائة مليون ريال عام ألفين وستة إلى مائة وثمانية واربعين مليار ريال في عام ألفين وثمانية، ولوحظ رغم زيادة التدفقات الاستثمارية الأجنبية المباشرة وجود زيادة ملحوظة في معدلات البطالة.
إن الشركات العابرة للقارات وفي ظل العولمة سرعان ما تتحول إلى قوة ضاربة وضاغطة على اقتصاديات وسياسات الدول المضيفة لها، وجعلها تتنازل عن الكثير من مصادرها الأساسية وواجباتها تجاه مواطنيها، وإدخال مفاهيم لا تقبل دينيا ولا ثقافيا، حتى تنخرط في النظام العالمي الرأسمالي الاحتكاري، وبالتالي فقدان هويتها الوطنية والإسلامية. إن الشركات الاستثمارية العابرة للقارات تنتج ما يسميه دعاة العولمة مجتمع الخمس بسبب زيادة القطاعات الصناعية للإلكترونيات والاتصالات والإعلاميات جراء رواجها، والتي لا تحتاج إلا لعدد قليل من العمالة أي عشرين بالمئة، وثمانون بالمئة تكون نسبة جديدة قد أضيفت لتقوية جيش البطالة.
إن الحلول كثيرة أمام دول العالم الثالث وخاصة الدول الإسلامية للتخلص من أنانية الاستثمار الأجنبي المباشر، ولا بد من التفاعل الديناميكي لكثير من العوامل الدينية والتشريعية والسياسية والاقتصادية والفكرية والتنظيمية، والاطلاع التام على نوع الاستثمار الأجنبي المباشر قبل الخوض في متاهاته. ولا بد من التركيز على نوع الاستثمار والأهداف المحققة منه، ولا بد من مقارنة هذه الأهداف وتسليط المجهر عليها وتمحيصها والنظر إليها من كافة الزوايا، لأنه في أغلب الأحيان يتم عرض فوائد مغرية ستحصدها الدول المضيفة جراء الاستثمار الأجنبي المباشر مقدمة من الشركات الاستثمارية، وبسبب عدم الدراسة المسبقة لهذه الأهداف والجهل الإداري والاقتصادي وقصر الرؤية والآفاق المستقبلية، تكون السلبيات العائدة على الدول المضيفة أكثر بكثير من الإيجابيات التي حصدتها، حيث تتعمد الشركات الأجنبية جعل هذه الإغراءات في الواجهة لضمان الموافقة والدعم السياسي والاقتصادي لها، حتى تزداد تبعيتنا وتمتص دماء شعوبنا وتنهب ثرواتنا. فالاستثمار الأجنبي في واقع الأمر يتركز بأيدي الشركات العملاقة، والشركات المتعددة الجنسيات هي أداة من أدوات العولمة ومن خلالها يتم الختم علينا بأن نكون أداة لتنمية الدول الرأسمالية.
مقارنة بين واقع الدراسة (2011) وما وصل إليه الحال في عام 2026
المقارنة التاريخية والفنية توضح كيف تطورت المخاطر التي حذرت منها في المقال الأصلي:
أولا: من الآلات التقليدية إلى الذكاء الاصطناعي
في عام ألفين وأحد عشر كان التحذير من المعارف الفنية التي تقلل الأيدي العاملة مقابل الآلات. أما في عام ألفين وستة وعشرين، فقد انتقل التهديد من مجرد آلة تحل محل اليد إلى ذكاء اصطناعي يحل محل العقل البشري والخبرة الفنية والإدارية. الاستثمارات الأجنبية اليوم تأتي بأنظمة ذاتية التشغيل تجعل حاجة الشركات للعمالة المحلية شبه منعدمة، مما فاقم ظاهرة مجتمع الخمس التي ذكرها الكاتب بشكل يفوق التوقعات السابقة.
ثانيا: من استهلاك السلع إلى استهلاك البيانات
تحدثت عن حصر الاستثمارات في السلع الاستهلاكية. وفي عام 2026 ، تطور هذا الاستهلاك ليصبح استهلاكا للبيانات الرقمية. الشركات العابرة للقارات الآن تستثمر في البنية التحتية الرقمية للدول الإسلامية، ليس لتطويرها، بل لسحب البيانات وتحويل المجتمعات إلى مستهلكين رقميين دائمين، مما يرسخ التبعية التي حذر منها المقال ولكن بصورة تقنية أعمق.
ثالثا: المنافسة الشرسة والشركات الوطنية
ما حذر منه المقال بشأن سقوط الشركات الوطنية الصغيرة أمام العملاق الأجنبي أصبح واقعا ملموسا في 2026 عبر التجارة الإلكترونية العابرة للحدود. الشركات الوطنية لم تعد تنافس شركة أجنبية موجودة على الأرض فحسب، بل تنافس خوارزميات وشركات عالمية تسيطر على الأسواق من خلف الشاشات، مما أدى لإغلاق الكثير من المؤسسات المتوسطة وتسريح موظفيها.
رابعا: الضمانات والسيادة
كانت الشركات في 2011 تطلب ضمانات سياسية، لكن في 2026 أصبحت هذه الشركات تملك قوة مالية تفوق ميزانيات دول، مما جعلها تفرض إملاءات ثقافية واجتماعية مباشرة تماشيا مع النظام الرأسمالي العالمي، وهو ما تنبأ به الكاتب حين أشار إلى فقدان الهوية الوطنية والإسلامية جراء التوغل الاستثماري غير المدروس.
الخلاصة:
رؤيتي في 2011 كانت استشرافا دقيقا لما وصلنا إليه في 2026. البطالة لم تعد ناتجة عن نقص المال، بل عن نوعية الاستثمار الذي يستبدل الإنسان بالتقنية، ويستبدل الإنتاج المحلي بالتبعية الاستهلاكية المطلقة. الاستثمار الراشد الذي دعوت إليه هو السبيل الوحيد المتبقي لاستعادة السيادة الاقتصادية في هذا العصر.
اليمني، حسين موسى. (2011، ديسمبر 13). الاستثمار الأجنبي المباشر وأثره في تزايد نسبة البطالة(أرشيف دنيا الوطن ).
ملاحظة: نُشر هذا المقال أصلاً في منصة إلكترونية توقفت عن العمل (دنيا الوطن)، ويُعاد إثبات محتواه وتطويره كوثيقة فكرية وتاريخية للكاتب، ولإستخدام هذا المقال في مرجع للكاتب نظراً لما يمثله من دور فعال في الحفاظ على الصناعات في الدول الاسلامية ودول العالم الثالث.
تعليقات
إرسال تعليق