التكامل الاقتصادي الاسلامي هي الخطوة الاساسية للتحرر

 التكامل الاقتصادي الاسلامي هي الخطوة الاساسية للتحرر

بقلم د حسين موسى اليمني

أكاديمي وباحث في العلاقات الدولية والاقتصادية

عند النظر في الخارطة الاسلامية متمعنين بقوتها الديمغرافية والمشكلة ربع سكان العالم وامتدادها الجغرافي والمنتشر في معظم قارات العالم، والمتمثلة ب 57 دولة حسب عضوية المؤتمر الاسلامي والتي تعتبر وللاسف الشديد من دول العالم الثالث، وعند النظر الى كافة الموارد المتوفرة في العالم الاسلامي وخصوصية الكثير من هذه الموارد ودورها الفعال في التغير في العلاقات والسياسات الدولية ومن اهمها موارد الطاقة، وقوة العلاقات الثقافية واللغوية والجغرافية سيحضر في الاذهان شئ واحد وهو قوة وواقعية التكامل الاقتصادي بين هذه الدول انطلاقا من التفضيل الجزئي الى منطقة التجارة الحرة والاتحاد الجمركي، والسوق الاسلامية المشتركة انتهاء بالاتحاد الاقتصادي والسياسي الكلي، وبناءً على ذلك فان التكامل الاقتصادي الاسلامي مطلب رئيسي واساسي للتغير في الخارطة السياسية والاقتصادية والجغرافية، ناهيك على ذلك ان التكامل الاقتصادي باب من ابواب التوحد واكبر مثال على ذلك ما حصل للولايات الالمانية في القرن التاسع عشر عندما اقامت بزعامة بروسية، الاتحاد الجمركي المسمى زولفراين والذي قاد الى الوحدة الاقتصادية ومن ثم السياسية حتى اصبحت دولة واحدة، وها هي دول شمال امريكا قاب قوسين او ادنى من التوحد.

ويجب ان يكون الهدف الرئيسي والاساسي من بناء التكامل الاقتصادي هو التمهيد لبناء الوحدة الاسلامية تحت راية واحدة ودولة واحدة واقامة شرع الله على الارض قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ { سورة الجاثية، الآية18 }. والذي من دونه لن نستطيع ابدا ان نحقق اي تقدم اقتصادي يذكر مهما تنوعت الاستراتيجيات المذكورة ومهما زادت الدول الداعمة لها، وسنكون المتاثرين لا المؤثرين في السياسات العالمية والاقتصادية، لان هدف الغرب النمو على اجسادنا ومواردنا وطاقاتنا وليس التعاون معنا ودعم نمونا، وهذا واضحا جليا في حجم التجارة البينية الاسلامية والتي تصل الى 16.6% وهذه نسبة قليلة جدا لا بد من تعزيزها والسعي على تنميتها لانجاح فكرة التكامل، وشكلت التجارة البينية العربية نحو 10.3 % من إجمالي التجارة العالمية في عام 2009، وهذه النسب يجب ان تنمو لتوطيد العلاقات والتخلص من التبعية ولو جزئيا لتعزيز مرحلة الانطلاق وتمهيد فكرة التكامل.

ان توفر كافة الموارد الاساسية يجب ان تكون اكبر حافز على التكامل الاقتصادي ابتداء من الاراضي الزراعية الشاسعة والتي تمكننا من الاكتفاء الذاتي، حيث تبلغ مساحة العالم الاسلامي 300 بليون كيلو متر مربع اي 22,5 % من مساحة العالم، وتتميز بغنى الموارد الطبيعية كالبترول اذ تمتلك الدول الإسلامية نحو 73% من الاحتياطي العالمي من النفط، وامتلاكها ايضا للغاز الطبيعي والطاقة الكهرمائية، ويعتبر العالم الاسلامي الاول في انتاج القطن والمطاط، كما ان العالم الإسلامى ينتج خامات كثيرة، من أهمها النحاس والمنجنيز والقصدير والبوكسايت والفوسفات والرصاص والكروم و الحديد، ويمتلك ثروة هائلة من المياه، وايضا الادمغة والموارد البشرية والتي لم تستغل في العالم الاسلامي والكثير الكثير من الخيرات التي تعتبر مقومات التكامل والوحدة.

اننا الان نواجه تحديات جمة وعقبات كثيرة سواء داخلية مثل الصراعات العسكرية والسياسية والاقتصادية او خارجية كالنزاعات العسكرية والتدخل الاجنبي المباشر او الانخراط في النظام الراسمالي والعولمة والتي تفرض على الدول الاسلامية قوانين لا تتوافق والاسلام، او نمو منظومات اقتصادية جديدة كالصين والهند وروسيا، مما يؤدي الى جعلنا اسواقا لما تنتجه تلك الدول وغيرها وخاصة ان الضعف التكنولوجي في العالم الاسلامي يعتبر من اهم معوقات التنمية والوحدة، وايضا الاختلاف الكبير بين الدول والتي منها تعتبر دول ذات فائض والبعض تعتبر ذات عجز، ولن نستطيع الحفاظ على التوازن الا من خلال الوحدة.

لابد من اصلاحات اجتماعية وتشريعية ومالية وسياسية، وخاصة ان الارادة السياسية هي الاداة المحرك لفكرة التكامل والتوحد الاقتصادي وهي المعوق الرئيسي اما التكامل الاسلامية بشكل عام والتكامل العربي بشكل خاص، ووضع الخطط الاستراتيجية بعقول كافة الدول الاسلامية بلا استثناء، مهما كثرت هذه الخطط ومن ثم دراسة كافة العروض المتاحة، واخيرا اختيار البديل الاكثر نجاحا والاكثر بعدا ومنفعة ليس لدولة معينة او سلطة معينة، بل منفعة لكافة الفئات والقطاعات والتي تصب لمصلحة الجميع ولفترة مستدامة ليس منقطعة، علاوة على ذلك التخلص من التبعية العالمية تدريجيا ولو اتخذ هذا التحرر فترة زمنية طويلة، الا ان نقطة الانطلاق هي بداية النصر والتحرر، ومن ثم بناء المشاريع الاستثمارية ومنها الكثير مثل مشاريع صناعة البتروكيماويات، والصناعات التحويلية، ومشاريع الزراعة، والأمن الغذائي، والحديد والصلب، وصناعة البناء والتشييد، ومشاريع التعليم والتدريب، والبحث العلمي ونقل التكنولوجيا وهي كثيرة لا نستطيع احصائها في هذا المقال الصغير، وايضا بناء بنك مركزي اسلامي واندماج العملات بعملة اسلامية واحدة ووضع الخطط التنموية على مستوى الاقاليم ومن ثم على المستوى العام الشامل مع العلم ان كافة المخططات التنموية يجب ان تكون متناسقة ومتكاملة حتى نرتقي بالدول الفقيرة الى مستوى الدول الغنية، حين اذن نستطيع القول ان التطور والنمو في كافة المجالات سينطلق بسرعة هائلة حتى يتم التخلص من التبعية الغربية كاملا، ولن يتم التخلص من التبعية العالمية الراسمالية الا اذا تم وضع استراتيجيات لتصنيع المعدات العسكرية ولو للاكتفاء الذاتي فقط وتخصص كل اقليم ببعض التقنيات العسكرية، لان التكنولوجيا العسكرية هي من اسباب سقوط الدول العظمى وهي من اسباب نمو الدول المتقدمة، وخير مثال على ذلك الخلافة العثمانية والتي تراكمت مديونيتها بسبب شرائها للأسلحة العسكرية، والمانيا التي تعافت بسرعة هائلة بعد الحرب العالمية الاولى بسبب تصنيع التكنولوجيا العسكرية، وكل هذا في النهاية سيؤدي الى بناء الدولة الاسلامية والتحرر من التبعية للدول الكبرى، حتى نصبح دولة واحادة وهيكلا واحدا، وهذا ما عرفناه في التاريخ الاسلامي في عدم بناء اي تكتل وتوحد الا على المبدا الاسلامي والوحدة الاسلامية، وليس على مبدا العلمانية والقومية والوطنية، وهذا ما بينه رسولنا الكريم في الحديث عن مالك: { تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما، كتاب الله وسنة نبيه} (الموطأ 2: 899 حديث 3 ).

وفي النهاية نتوصل الى استراتيجية جديدة الا وهي استراتيجية الانسلاخ او الابتعاد عن التبعية بشتى انوعها ومن اهمها العسكرية والتي هي اساس زيادة المديونية في العالم الاسلامي والتي ارهقت اقتصادياتها وجعلتها واقعة تحت رحمة المؤسسات المالية الدولية وذلك لأنها مدينة لها مما يجعلها ضعيفة سياسيا واقتصاديا تتاثر ولا تؤثر، تتغير ولا تغير، وعرجت الامم الى السماء بطاقاتنا، وحفرت لنا القبور على الارض بنفاياهم، وحان الوقت للتأثير والتغير وقلب موازين القوة باذن الله.

 مراجعة وتحليل مقارن بين زمن كتابة المقال (2011) والواقع الراهن (2026)

عند فحص النقاط التي أثرتها في مطلع عام 2011 ومقارنتها بواقعنا اليوم في عام 2026، نجد أن الرؤية كانت استباقية بعقد ونصف، وهو ما يتضح من خلال الآتي:  

أولاً: التحول الديمغرافي والاقتصادي

في عام 2011 كان العالم الإسلامي يمثل ربع سكان العالم بنسبة 25%، أما في عام 2026 فقد تجاوزت هذه النسبة لتصل إلى نحو 28% مع تجاوز عدد المسلمين حاجز 2.1 مليار نسمة، مما يعزز من مفهوم القوة البشرية والإنتاجية التي دعا الكاتب لاستغلالها. كما انتقلت دول إسلامية من تصنيف دول العالم الثالث التقليدي إلى مصاف القوى الاقتصادية المؤثرة عالمياً (مثل إندونيسيا والسعودية وتركيا) وهي الآن تشكل عصب الاقتصاد في مجموعة العشرين.

ثانياً: التجارة البينية والتبعية

أشرت سابقاً إلى أن نسبة التجارة البينية كانت 16.6% في 2011، وبحلول عام 2026، ارتفعت هذه النسبة تدريجياً لتلامس 22% بفضل تفعيل اتفاقيات التجارة التفضيلية وتطور النقل اللوجستي الرقمي، إلا أنها لا تزال دون الطموح الذي وضعه الكاتب للتحرر الكامل. أما بخصوص التبعية للنظام الرأسمالي، فقد شهد عام 2026 توجهاً قوياً نحو العملات الرقمية السيادية الإسلامية ومقايضة السلع بالعملات المحلية للالتفاف على هيمنة الدولار التي حذر منها المقال.

ثالثاً: الموارد والطاقة المتجددة

بينما ركز المقال على النفط (73% من الاحتياطي)، فإن عام 2026 يشهد تحولاً إستراتيجياً حيث أصبح العالم الإسلامي مركزاً عالمياً للهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية، بالإضافة إلى السيطرة على المعادن النادرة (مثل الليثيوم والفوسفات في المغرب والجزائر وآسيا الوسطى) وهي الموارد التي أصبحت لا تقل أهمية عن البترول في الصناعات الحديثة.

رابعاً: التكنولوجيا والتصنيع العسكري

دعوت سابقاً إلى تصنيع المعدات العسكرية كشرط للتحرر، وهو ما تحقق فعلياً ولو بنسب قليلة في عام 2026؛ حيث أصبحت دول إسلامية مراكزاً عالمية لتصنيع الطائرات بدون طيار، وأنظمة الدفاع الصاروخي، والأقمار الصناعية، مما قلل من المديونية العسكرية التي كانت ترهق الميزانيات في 2011، وأعطى قراراً سياسياً أكثر استقلالية.

خامساً: التحديات الجيوسياسية

حذرت من نمو منظومات كالصين وروسيا، وفي 2026 نجد أن هذه المنظومات أصبحت واقعاً يفرض تعدد الأقطاب، مما فتح نافذة للدول الإسلامية للمناورة والتكامل فيما بينها بعيداً عن القطب الواحد، وهو ما يتوافق مع دعوتي للانسلاخ عن التبعية الغربية.

ختاماً، يظل جوهر المقال في عام 2026 هو أن الوحدة الاقتصادية القائمة على المبدأ الإسلامي ليست مجرد خيار، بل هي ضرورة وجودية لمواجهة التكتلات العالمية الكبرى، وهو ما يثبت صحة الرؤية التي طرحناها قبل خمسة عشر عاماً.

والله من وراء القصد وآخر دعوانا ان الحمد الله رب العالمين. 

اليمني، حسين موسى. (2011، يناير01). التكامل الاقتصادي الاسلامي هي الخطوة الاساسية للتحرر(أرشيف دنيا الوطن ).

​ملاحظة: نُشر هذا المقال أصلاً في منصة إلكترونية توقفت عن العمل (دنيا الوطن)، ويُعاد إثبات محتواه وتطويره كوثيقة فكرية وتاريخية للكاتب، ولإستخدام هذا المقال في مرجع للكاتب نظراً لما يمثله من دور فعال في الحفاظ على التكامل الاقتصادي في الدول الاسلامية والعربية .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تأملات في جدلية الدم والسياسة ومفارقات في المشهد السوري

السبب الكوني والوسيلة الشرعية: تفكيك الإشكال في إثبات هلال رمضان

الصناعات الخفيفة بداية التحرر من التبعية