النظم الاقتصادية تلفظ أنفاسها الأخيرة
النظم الاقتصادية تلفظ أنفاسها الأخيرة
إن المتأمل في مسيرة النظم الاقتصادية ال.معاصرة يدرك دون أدنى ريب أنها تعيش مرحلة الشيخوخة والارتباك، بل إنها تشرع في التقاط أنفاسها الأخيرة بعد عقود من الهيمنة القائمة على الجشع والاستغلال. وتتجلى مظاهر هذا الانكسار في فشل الأدوات السياسية التقليدية التي تعتمدها الدول الكبرى والمؤسسات الدولية لترميم تصدعاتها، وعلى رأسها سياسات التقشف التي يتم تسويقها كحل لخفض العجز وتقليل المديونية، بينما هي في حقيقتها أداة لاستنزاف المواطنين عبر تخفيض الرواتب التقاعدية وتقليص الكوادر الوظيفية وتفتيت شبكات الأمان الاجتماعي. إن الهدف المعلن لهذه السياسات هو تخفيض التكاليف الكلية للدولة، لكن الممارسة العملية تثبت أن الاستمرار في هذا النهج لا يؤدي إلا إلى بيع الأصول السيادية وتفاقم المديونية، وضرب القوة الشرائية للمجتمع، مما يسفر عن انكماش الطلب الكلي وزيادة معدلات البطالة في دورة اقتصادية عقيمة لا مخرج منها إلا بمزيد من الغرق في الديون. ولعل المثال اليوناني الذي استمر في تدوير سياسات التقشف لعقود دون جدوى، وما تبعه من انتهاج دول عالمية عديدة لذات المنهج، يبرهن على أن النظام الرأسمالي بات يضرب اقتصاديات العالم في مقتل، محولاً الأزمات الدورية إلى حالة مستمرة من التردي الاقتصادي العالمي.
لقد كشفت أزمة عام 2008 وما تلاها من تداعيات، أن الولايات المتحدة بوصفها رأس النظام المالي العالمي، لم تفعل أكثر من ممارسة عمليات تخدير موضعي لتقليل حدة الانهيار، دون المساس بجذور المشكلة. فقبل الأزمة، شهد العالم قفزات جنونية في معدلات التضخم وصلت بأسعار النفط إلى مستويات قياسية فاقت 160 دولاراً للبرميل، مما أرهق ميزانيات الدول الناشئة. وبالرغم من محاولات التهدئة، إلا أن التضخم عاد ليطل برأسه من جديد، لنجد اليوم عشرات الدول تخرج منددة بالنظام المالي العالمي القائم على احتكار رؤوس الأموال في يد قلة قليلة من المرابين والرأسماليين على حساب الإنسانية جمعاء. إن هذه الاحتجاجات العالمية التي تزامنت مع الحراك في المنطقة العربية، لم تكن إلا صرخة في وجه الفقر والبطالة التي أنتجتها سياسات التبعية، مما يستوجب وقفة جادة للتدبير والتفكير في مخرج حقيقي ينهي هذا العبث بمقدرات الشعوب. وهنا يبرز نظام الزكاة في الرؤية الإسلامية ليس فقط كفريضة تعبدية، بل كأداة اقتصادية كلية كفيلة بالقضاء على البطالة والتضخم من خلال فرض التوزيع العادل للثروات، وضمان انتقال رؤوس الأموال من الأيدي المكتنزة إلى الأيدي المنتجة والفقيرة، مما يحفز الطلب الكلي ويدفع المستثمرين لزيادة العرض والإنتاج، وهو ما يؤدي في نهاية المطاف إلى خلق فرص عمل حقيقية وتصفير معدلات البطالة وفق دورة اقتصادية طاهرة ومنتجة.
إن العالم اليوم يحتاج إلى سياسة اقتصادية جذرية تبدأ بالفقراء قبل الأغنياء، وهو ما لا يتوفر إلا في النظام الاقتصادي الإسلامي الذي يحرم الاحتكار والربا ويفرض حركة المال في عروق المجتمع. أما الحلول الرأسمالية فستظل مؤقتة، وسيبقى التهديد بالتضخم تارة وبالانكماش تارة أخرى، وبالتقشف كبدلة قسرية، هو قدر الدول التي ترتهن لهذا النظام. وما يحدث في عالمنا الإسلامي من تدهور ليس بمعزل عن هذا التردي العالمي، بل هو مستشر في جذورنا بسبب التبعية العمياء التي مكنت الدول الرأسمالية من استخدام اقتصادنا كأوراق ضغط في العلاقات الدولية، مما سلبنا سيادة القرار السياسي وجعل عواصمنا مرتهنة لمخططات الغرب وصندوق النقد الدولي. إن الغرب بعبقريته الاستعمارية وجد في بلاد العالم الثالث مرجعاً ومستودعاً للثروات لتقليل حدة أزماته الخاصة، مستخدماً طاقاتنا وثرواتنا لخدمة مصالحه تحت وعود زائفة بالديمقراطية والنمو، بينما الحقيقة أن المستفيد الوحيد هو المركز الرأسمالي الذي يقتات على خيرات الأطراف.
إن استعادة الهيبة والقوة ترتهن بتأصيل الفكر الإسلامي في كافة معاملاتنا، والتحول من حالة الاستسلام الكامل لمخططات الغرب إلى حالة السيادة الإنتاجية. إن التركيز لا يجب أن ينصب فقط على تغيير الوجوه السياسية، بل على تغيير الثقافة المجتمعية والتوجه نحو الإنتاج المستقل، انطلاقاً من قوله تعالى بأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. إن الارتهان للنظام الرأسمالي يشبه من يتناول طعاماً شهي المظهر لكن أرضيته من دم خبيث ونتن؛ فمهما كانت المغريات التي يقدمها هذا النظام من رفاهية زائفة أو تكنولوجيا مستوردة، فإن جوهره الخبيث القائم على الاستغلال سيفسد كل شيء. لقد استبدلنا الذي هو أدنى بالذي هو خير، وتركنا علومنا وقيمنا الاقتصادية لنلهث وراء أقذار المنظومات الغربية وتجاربها الفاشلة، في زمن انقلبت فيه المعايير وتصدر فيه الرويبضة المشهد.
إن رؤية خلافة الأرض تقتضي بناء نظام مالي مستقل يرفض التبعية للصناديق الدولية، ويعيد الاعتبار للمعدنين النفيسين كقاعدة للنقد، ويؤسس لعلاقات دولية قائمة على الندية والعدل لا على الجشع والاستنزاف. إن السياسات الاقتصادية في ظل الخلافة يجب أن ترتكز على تمكين الشعوب من أدوات الممارسة والإنتاج، وتحرير الموارد من قبضة الشركات العابرة للقارات، وتفعيل نظام الحماية الجمركية والضريبية الذي يحمي المنتج الوطني ويؤسس للاكتفاء الذاتي الشامل. إن الانتقال من مرحلة الشيخوخة الرأسمالية إلى مرحلة الفتوة الاستخلافية يتطلب شجاعة في اتخاذ القرار، وإيماناً مطلقاً بأن الشريعة الإسلامية تمتلك الإجابات الشاملة لكل معضلات الاقتصاد الحديث، بدءاً من تدوير المال وحماية الضعفاء وصولاً إلى تحقيق التوازن بين العرض والطلب في بيئة طاهرة من الربا والاحتكار، ليكون الاقتصاد خادماً للإنسان وعمارة الأرض، لا مستعبداً للبشر لصالح القوى الماسونية والصهيونية التي تتربص بمقدراتنا. إن الأوان قد آن لرفع الغطاء عن هذه النظم المتآكلة، وبناء الكتلة الاقتصادية الإسلامية الكبرى التي تمتد من القدس عاصمة الخلافة لتشمل العالم بأسره، فارضة نموذجاً جديداً للرفاه القائم على العدل والتقوى والممارسة العملية الجادة.
بهذا الصنيع، نكون قد وضعنا اللبنة الأولى في جدار السيادة الحقيقية، مؤكدين أن الحل ليس في إصلاح النظام الرأسمالي بل في استبداله بمنظومة ربانية شاملة، تعيد صياغة العلاقات الدولية الاقتصادية وفق موازين الحق، وتخرج الأمة من نفق التبعية المظلم إلى رحاب السيادة والاستخلاف، حيث لا مكان للظلم أو الاستغلال، وحيث يكون المال أداة للبناء لا وسيلة للهدم والفساد. إن الرهان الحقيقي اليوم هو على وعي الشعوب وقدرتها على انتزاع زمام المبادرة والعودة إلى منابع قوتها الأصيلة، ضاربة عرض الحائط بكل النظريات التي جردتها من كرامتها الاقتصادية والسياسية، وصولاً إلى فجر جديد يشرق بنور الخلافة والعدل على سائر أرجاء الأرض.
والله من وراء القصد وآخر دعوانا ان الحمد الله رب العالمين.
اليمني، حسين موسى. (2011، اكتوبر 21). النظم الاقتصادية تلفظ أنفاسها الأخيرة(أرشيف دنيا الوطن ).
ملاحظة: نُشر هذا المقال أصلاً في منصة إلكترونية توقفت عن العمل (دنيا الوطن)، ويُعاد إثبات محتواه وتطويره كوثيقة فكرية وتاريخية للكاتب، نظراً لما يمثله من استشراف مبكر لأزمات النظام المالي العالمي.
تعليقات
إرسال تعليق