معركة المصطلح والوعي: قراءة في زمن التطبيع.
معركة المصطلح والوعي: قراءة في زمن التطبيع.
بقلم د. حسين موسى اليمني
كاتب وباحث في العلاقات الدولية الاقتصادية.
لا يمكن بأي حال من الأحوال فصل الانهيار السياسي المريع الذي تشهده الأمة عن حالة الانهيار اللغوي والمعرفي التي سبقته ومهّدت له؛ فالمفردة في عالم السياسة الدولية ليست مجرد وسيلة للتفاهم، بل هي خندق الدفاع الأول عن الوجود والهوية والحقوق. إن اللغة ليست انعكاساً للواقع فحسب، بل هي أداة لإعادة تشكيله وصياغته. وعندما نستعرض شريط التاريخ وصراعات الأمم، نجد أن الصراع على المسمى هو في حقيقته صراع على الشرعية والوجود ذاته؛ فكل مصطلح يُعتمد رسمياً إنما يحمل في طياته اعترافاً ضمنياً بمنظومة قيمية وقانونية كاملة.
إن ما نشهده اليوم من هرولة مسعورة نحو التطبيع لا يمثل مجرد اتفاقيات اقتصادية أو أمنية عابرة تقتضيها الضرورات، بل هو في جوهره اعتراف طوعي وقانوني بإعادة تعريف الصراع، وتحويله من قضية تحرر وعدالة إلى نزاع حدودي قابل للتسوية. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: فالمفاوض الذي يجهل أو يتجاهل أن الحرف الواحد في ثنايا العقود والمواثيق قد يبيع وطناً بأكمله، إنما يورّث أجيالاً قادمة ذلاً مستداماً لا يُمحى بسهولة.
أولاً: النموذج النبوي والصلابة في إدارة المصطلح السيادي.
لقد قدم لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية أعظم درس في إدارة ما يمكن تسميته بـ المصطلح السيادي. فحين اعترض سهيل بن عمرو، ممثل مشركي قريش، على تصدير وثيقة الصلح بعبارة رسول الله، محتجاً بقوله: لو نعلم أنك رسول الله لم نصدك عن البيت ولا قاتلناك، واجه النبي هذا التعنت بمرونة تكتيكية لكنها لم تمس جوهر العقيدة أو الحقوق. لقد وافق النبي على محو الصفة كتابةً (كإجراء إداري لتمام الصلح)، لكنه لم يغير الحقيقة القائمة في وجدان الأمة، ولم يوقع على صك يعترف فيه بـ شرعية الأصنام أو بطلان الرسالة أو حق قريش الأبدي في منع المسلمين من مكة.
وهنا تبرز المفارقة المؤلمة: إذا كان هذا التصرف النبوي قراراً حكيماً في حضرة مشرك رفض الاعتراف بصفة النبوة، فما بالنا اليوم بمن دخل الإيمان قلوبهم، ومع ذلك يهرعون لتوقيع عقود ومواثيق تعترف بالمحتل رئيساً لدولة؟ إن الفارق الجوهري هو أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمنح المشركين شرعية دينية أو وجودية على حساب ثوابت الرسالة، بينما يمنح المطبعون اليوم المحتل صك ملكية قانونياً وتاريخياً. إن توقيع أي عقد يقر بصفة دولة لكيان استيطاني هو اعتراف ضمني وقاتل بحقه في الأرض، وهو ما ينسف الرواية الفلسطينية والإسلامية من جذورها، ويحول صاحب الحق إلى إرهابي والمغتصب إلى صاحب سيادة.
ثانياً: هندسة المصطلحات كضمانة للحقوق التاريخية
إن التمسك بالمصطلحات السليمة (مثل: الكيان المحتل، العصابات الصهيونية، الإدارة الاستعمارية) ليس ترفاً لغوياً أو تشدداً عاطفياً، بل هو الضمانة القانونية الوحيدة لعدم التنازل عن كامل التراب الوطني. إن فلسطين المحتلة عام 1948، والتي تشكل 78% من مساحة فلسطين الطبيعية، هي أرض وقف إسلامي لا يملك كائن من كان حق التنازل عن شبر واحد منها.
إن استخدام مصطلح دولة إسرائيل في المراسلات الرسمية والاتفاقيات يعني قانونياً القبول بحدودها المزعومة وبطلان حق العودة لتراب 1948. لذا، فإن لعبة المصطلحات هي أخطر أدوات غسيل الوعي؛ حيث يُراد للمسلم أن يعتاد على نطق مسميات تمنح المحتل شرعية لا يستحقها، مما يؤدي بالضرورة إلى تآكل الرفض النفسي والممانعة الشعبية، لتصبح الخيانة في نظر البعض مجرد وجهة نظر سياسية أو واقعية اقتصادية.
ثالثاً: التطبيع كأداة لإعادة تشكيل الوعي الجمعي
لا يقتصر التطبيع على الجانب السياسي أو الاقتصادي، بل يمتد ليشمل بعداً ثقافياً ونفسياً بالغ الخطورة. فهو يسعى إلى إعادة تعريف العدو في الوعي العام، وتحويله إلى شريك محتمل أو جار طبيعي. وهذه العملية لا تتم دفعة واحدة، بل عبر مراحل تدريجية تبدأ بتغيير المصطلحات، ثم إعادة كتابة السرديات، وصولاً إلى إعادة تشكيل القيم.
إن أخطر ما في هذا المسار هو أنه لا يفرض بالقوة، بل يُمرر عبر خطاب الواقعية والمصلحة، حيث يُطلب من الشعوب أن تتخلى عن ثوابتها بدعوى التكيف مع موازين القوى. غير أن هذا المنطق يتجاهل حقيقة أساسية: وهي أن الأمم التي تتنازل عن روايتها تفقد قدرتها على استعادة حقوقها، مهما تغيرت الظروف.
فالقضية ليست في موازين القوى الآنية، بل في الحفاظ على الإطار المرجعي الذي يُبقي الحق حياً في الوجدان، حتى تأتي لحظة استعادته. أما إذا تم التنازل عن هذا الإطار، فإن القضية تتحول من حق مغتصب إلى مجرد ذكرى تاريخية.
رابعاً: البعد القانوني والسيادي للاعتراف
في القانون الدولي، يُعد الاعتراف بالدول أحد أهم أركان الشرعية السياسية. وعندما تقوم دولة ما بالاعتراف بكيان معين، فإنها لا تعترف فقط بوجوده، بل تقر أيضاً بشرعية مؤسساته، وحدوده، وسيادته على الأرض التي يسيطر عليها. وهذا الاعتراف يترتب عليه التزامات قانونية وسياسية، ويؤثر على مواقف المجتمع الدولي ككل.
وعليه، فإن أي اتفاقية تطبيع تتضمن اعترافاً صريحاً أو ضمنياً بكيان استيطاني، إنما تمثل تنازلاً عن المطالبة القانونية بالأرض، وتُضعف الموقف التفاوضي للأجيال القادمة. بل إن هذا الاعتراف قد يُستخدم لاحقاً كدليل قانوني ضد أصحاب الحق أنفسهم، في حال حاولوا استعادة حقوقهم.
خامساً: بين الواقعية السياسية والثبات المبدئي
كثيراً ما يُطرح مفهوم الواقعية السياسية لتبرير التطبيع، وكأن التمسك بالحقوق يمثل نوعاً من المثالية غير العملية. غير أن هذا الطرح يتجاهل أن الواقعية الحقيقية لا تعني التخلي عن الثوابت، بل تعني إدارة الصراع بذكاء دون التفريط في الأصول.
لقد أثبتت تجارب التاريخ أن الشعوب التي حافظت على روايتها وهويتها، حتى في أحلك الظروف، كانت الأقدر على استعادة حقوقها عندما سنحت الفرصة. أما تلك التي تخلت عن لغتها ومفاهيمها، فقد ذابت تدريجياً وفقدت قدرتها على المقاومة.
ومن هنا فإن معركة المصطلح هي معركة الوجود و ليست معركة هامشية، بل هي في صميم الصراع على الوجود والهوية. فالكلمة قد تكون أحياناً أقوى من السلاح، لأنها تحدد طبيعة الصراع وحدوده وأطرافه. وبالتالي، فإن الحفاظ على المصطلح الصحيح هو في حد ذاته شكل من أشكال المقاومة.
إن الأمة التي تدرك قيمة لغتها، وتتمسك بمفاهيمها، وتعي خطورة التلاعب بالمصطلحات، هي أمة قادرة على الصمود، مهما اشتدت عليها الضغوط. أما التنازل عن المصطلح، فهو الخطوة الأولى في طريق التنازل عن الحق.
وبينما تتغير موازين القوى وتتبدل التحالفات، يبقى الثابت الوحيد هو أن الحق لا يسقط بالتقادم، ما دام هناك من يحفظ اسمه، ويدافع عن معناه، ويرفض أن يُستبدل بغيره.
والله من وراء القصد وآخر دعوانا ان الحمد الله رب العالمين.
تعليقات
إرسال تعليق