إبستين وأدوات الضغط: محاولة جر أمريكا إلى حرب انتحارية!
إبستين وأدوات الضغط: محاولة جر أمريكا إلى حرب انتحارية!
بقلم: د. حسين موسى اليمني
كاتب وباحث في العلاقات الدولية الاقتصادية
إنّ زلزال "إبستين" الذي تفجر في هذا التوقيت الحساس يحمل دلالات عميقة ورسائل بالغة الخطورة؛ إذ يشير بوضوح إلى أن ما يدور خلف الكواليس يتجاوز مجرد الفضيحة، ليعكس صراعاً مريراً بدأت تتكشف ملامحه للعيان.
لقد بدا في الآونة الأخيرة أن الولايات المتحدة بدأت تتهيب الإقدام على ضربة عسكرية لإيران، مائلةً نحو خيارات التهدئة أو تأجيل المواجهة. هذا التراجع الأمريكي أثار حفيظة الدوائر الصهيونية التي ترى في بقاء هذا النظام خطراً وجودياً يقوض أحلام تمددها في الشرق الأوسط؛ فاستئصال هذا النظام يمثل بالنسبة لهم حجر الزاوية لتأمين الهيمنة الصهيو-أمريكية المطلقة.
ويبدو أن التردد الأمريكي نابع من تقارير استخباراتية أدركت صلابة البنية الداخلية للنظام الإيراني، وتماسكه الذي يستعصي على سيناريوهات الإطاحة السريعة كما حدث في فنزويلا أو في بعض الأقطار العربية. فبينما نجد البيئة العربية وللأسف مرتعاً لولاءات متضاربة وخيانات متلاحقة، يظهر الكيان الإيراني قدراً من التماسك يحد من فاعلية الاختراق الخارجي، وهو ما دفع واشنطن لإعادة حساباتها.
هنا، تحركت "الأذرع الصهيونية" مستخدمةً أوراق الضغط والابتزاز لإجبار الإدارة الأمريكية على المضي قدماً في خيار الحرب. فالتقارير تشير إلى أن أي ضربة لإيران قد تفجر نزاعات إقليمية كبرى لا تنتهي لسنوات، بل قد تكون المسمار الأخير في نعش القوة الأمريكية العظمى التي تحاول بعجرفتها المعهودة استبقاء هيمنتها المتآكلة. إنها معركة "وجود أو فناء" بالنسبة للقطب الواحد.
لقد فعلت "اليد الخفية" التي تعبث بمقدرات العالم أدواتها الضاغطة، مهددةً بكشف المستور من الوثائق والأسرار (وفضيحة إبستين ليست إلا غيضاً من فيض)، وذلك لدفع واشنطن نحو حافة الهاوية وتدمير المنطقة، لضمان ركوع الجميع أمام الطغيان الصهيوني الذي بات سقوطه الحتمي مسألة وقت لا أكثر.
إن هذه الألاعيب القذرة تكشف بوضوح عواقب اتخاذ اليهود والنصارى أولياء من دون المؤمنين، والانزلاق في فخ التبعية السياسية والفكرية لأمريكا. إن كان ولا بد من علاقة، فلتكن في إطار التبادل الاقتصادي الصرف (بيع وشراء) دون ارتهان السيادة أو تسليم المقدرات، كما نرى في النماذج التي استسلمت بالكامل لمغتصبين تجردوا من إنسانيتهم ومارسوا أبشع الطقوس والجرائم بحق البشرية.
لقد حذرتُ مراراً: إن مَن يربط شريان حياته بأمريكا، عليه أن يتوقع قطعه في أي لحظة؛ فتلك هي شيمتهم. إنهم يمتلكون سجلات من "الفضائح" لكل من يدخل معترك السياسة تحت مظلتهم، ومن كان منهم نظيفاً طالته أياديهم بالضغط أو التلفيق لجعله أداة طيعة في مستقبل الأيام.
وبعد كل هذا، يطل علينا من ينادي بضرورة السير في الركب الأمريكي! ألا سحقاً لتلك التبعية ومَن يروج لها. إن سياسة واشنطن لا تعرف "الصداقة" بل "الهيمنة"؛ حتى أوروبا بدأت تدرك هذه الحقيقة وتتوجس من غطرسة الإدارة الأمريكية، وقد صدق "ميرتس" حين أكد أن علاقة أوروبا بأمريكا يجب أن تكون "شراكة أحرار" لا "تبعية عبيد"، وهو ما يغيب للأسف عن وعي الكثيرين في عالمنا العربي والإسلامي.
إن الركض خلف أمريكا والتباكي على كسب رضاها هو شأن "الأتباع الأرذال". وانظروا إلى أفغانستان التي تحررت من التبعية ورفضت القواعد الأمريكية؛ إنها تسير اليوم نحو استقلال حقيقي يحمي قرارها الداخلي من الاختراق والمطامع الخارجية.
ختاماً، إن التبعية لأمريكا هي غذاء للنظام الصهيوني المجرم. فنسأل الله أن يعجل بهلاك هذه العصابة الباغية ومَن سار في ركبها، اللهم إنهم أفسدوا في الأرض وعاثوا فيها طغياناً، فأرنا فيهم يوماً أسود تقر به أعين المؤمنين، ويشفي صدور قوم ذاقوا الويلات من سمومهم وثقافتهم المنحطة.
والله من وراء القصد، والحمد لله رب العالمين.
تعليقات
إرسال تعليق