من لا يملك القرار، يُستَخدم وقودًا في معارك غيره ، فلا تقاتلوا في سبيل الطاغوت!

 



من لا يملك القرار،  يُستَخدم وقودًا في معارك غيره ، فلا تقاتلوا في سبيل الطاغوت!
✍️📄 د.حسين موسى اليمني 
كاتب وباحث في العلاقات الدولية الاقتصادية .
في خضمّ التحولات العاصفة التي تشهدها المنطقة، لم يعد ممكنًا تجاهل حقيقةٍ باتت واضحة في وعي الشارع العربي: كفى اصطفافًا بجانب الكافر المستعمر الإرهابي. لقد أدرك العرب اليوم، بوعيٍ لا لبس فيه، أن هذه الحرب ليست حربهم، بل هي امتدادٌ لمشروعٍ صهيو-أمريكي لا يرى في منطقتنا سوى ساحةٍ لتصفية الحسابات وتحقيق المصالح.

إن الانخراط في تحالفٍ تقوده شخصيات ارتبطت في الوعي العالمي بأشدّ صور البطش والعدوان والإرهاب ، مثل بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب، لا يمكن اعتباره موقفًا مشرّفًا، ولا خيارًا قابلًا للتبرير تحت أي ظرف. فالمعيار الحقيقي للاصطفاف في هذه اللحظة التاريخية لا ينبغي أن يُختزل في حساباتٍ ضيقة أو إملاءاتٍ خارجية، بل يجب أن ينبع من وعيٍ عميق بهوية الأمة ومصالحها الاستراتيجية.

ومن يتنكر لهذه الحقيقة، أو يقف موقف المتفرج أو المبرر، فإنه ، شاء أم أبى ، يمنح غطاءً لمشاريع الهيمنة والإرهاب الصهيوني المنظم. إن القضية ليست مجرد اختلاف سياسي، بل صراع على الوجود والكرامة والسيادة.

ثم إن الاستناد إلى مبدأٍ راسخ في وجدان الأمة، وهو عدم مناصرة غير المسلم على المسلم، ليس شعارًا عابرًا، بل أصلٌ متجذر في الوعي الجمعي والعقيدة. وفي هذا السياق، فإن إيران   مهما اختلفنا معها سياسيًا أو استراتيجيًا  أو مذهبياً  تبقى بلدًا مسلمًا، والخلاف معها لا يبرر الانزلاق إلى أحضان من لا يُخفون عداءهم للمنطقة وشعوبها، وفي مقدمتهم الصهاينة المجرمون. 
كما أجمع علماءُ الإسلام على عدم جوازِ التحالف مع غير المسلم ضدّ المسلم، ولو كان المسلمُ ضالًا.
ولعلّ الأهم من ذلك أن غالبية الدول العربية لم تكن يومًا متحمسة لهذه الحرب، بل حذّرت صراحةً من عواقبها الكارثية، إدراكًا منها أن إشعال المنطقة لن يخدم إلا من يسعى لإعادة تشكيلها وفق مصالحه. غير أن قرار الحرب، لم يكن بيد هذه الدول، بل فُرض في سياقٍ اعتادت فيه الصهيوأمريكان على فرض إرادتها، حتى ولو كان الثمن استقرار شعوبٍ بأكملها.

وفي المحصلة، فإن الوعي الحقيقي يقتضي ألا نُستدرج إلى معارك الآخرين، وألا نُختزل في أدواتٍ ضمن مشاريع لا تعبّر عنا. بل الواجب هو إعادة توجيه البوصلة نحو ما يحفظ كرامة الأمة ويصون مصالحها بعيدًا عن التبعية والانجرار.

وستبقى فلسطين عنوان كل الحروب، والبوصلة التي تكشف حقيقة المواقف. فمن يناصرها يحارب، وقد وقفت إيران موقفًا  مشرّفًا في القضية الفلسطينية، وهو ما لا يمكن تجاهله في ميزان الذاكرة السياسية والشعبية. فالفلسطيني لا ينسى من وقف معه،  ورغم كل ذلك، عندما اندلعت الحرب بين سوريا وإيران، وقف الفلسطينيون بكل عزيمة وإخلاص إلى جانب سوريا، رغم كل الدعم الذي قدمته إيران للقضية الفلسطينية.  وهذا دليل على أننا لا نتخذهم أولياء وأن العلاقة علاقة سياسية تقوم على التقاء  المصالح ، دون الانجرار للتبعية الكاملة كما تفعل الأنظمة العربية في علاقتها مع الصهيوأمريكان  .

واليوم، تبدو الحرب مختلفة في سياقها وأدواتها، حيث يحاول الخطاب الصهيوني الترويج لرواية مفادها أن إيران تعتدي على الدول العربية، في محاولةٍ مكشوفة لإعادة تشكيل الوعي وتوجيهه. لكن هذا الخطاب لم يعد قادرًا على إخفاء الحقائق، فـ"الحجاب مكشوف"، ولم يعد تكرار الروايات كافيًا لتزييف الإدراك.

على العرب والمسلمين اليوم أن يدركوا خطورة هذه اللحظة التاريخية، وألا ينجرّوا إلى أي تحالف مع مجرمي حرب يسعون إلى توسيع رقعة الصراع وجرّ المنطقة إلى حروب استنزاف طويلة. إن الانخراط في مثل هذه المشاريع لا يعني الدفاع عن الأمن، بل يمثل مساهمة مباشرة في إشعال الفوضى التي لن يسلم منها أحد.

فالحروب التي تُدار بعقولٍ خارجية لا تُنتج إلا الخراب، ولا تخدم إلا من خطط لها وأشعل فتيلها. ومن هنا، فإن الأجدر بالعرب قيادةً وشعوبًا ، أن يكونوا قوة إطفاء لا وقودًا للنار، وأن يسعوا بكل ما أوتوا من تأثير إلى وقف هذه الحرب، بدل الارتهان لقرارات تُفرض عليهم من قِبل الصهيوأمريكان الذين يسعون فساداً وإفساداً  في الأرض ، وعلى رأسها شخصيات إرهابية  كـ دونالد ترامب، الذي اعتاد التعامل مع المنطقة بمنطق المصالح المجردة دون اكتراثٍ حقيقي بعواقب الدمار.

إن الكرامة السياسية تقتضي الاستقلال في القرار، لا التبعية، وتقتضي حماية الأوطان لا الزجّ بها في معارك الآخرين. أما أن يتحول العرب إلى أدواتٍ منفذة أو تابعين تحت أي لواء خارجي، فذلك ليس من الدين ولا  من الحكمة ولا من المسؤولية ، بل هو طريقٌ مؤكّد نحو مزيدٍ من الضعف والتفكك.
وفي نهاية المطاف، يبقى الرهان الحقيقي على وعي الشعوب وقدرتها على التمييز بين المعارك التي تخدمها وتلك التي تُفرض عليها. فالتاريخ لا يرحم، واللحظات المفصلية لا تُغتفر فيها الأخطاء. والاختيار اليوم ليس بين أطراف صراع، بل بين الاستقلال والتبعية، بين الكرامة والانجرار، وبين أن نكون فاعلين في رسم مستقبلنا أو مجرد أدوات في مشاريع الآخرين.

وعلى الحكومات العربية أن تبذل كل ما أوتيت من قوة لإيقاف هذه الحرب، لا أن تشارك فيها، فلا يقاتلوا تحت راية الطاغوت كما فعلوا لأكثر من قرن وربع القرن، وهم  يقاتلون تحت راية الطاغوت إلا من رحم ربي. فبهذه المشاركة يحقق الصهاينة أهدافهم في إضعافنا المستمر، وإقامة إمبراطوريتهم في الشرق الأوسط، ووضع حكام يتماهون مع الفكر الصهيوني، وشعوب تخاف الصهاينة وحكامها أكثر مما تخشى الله.
تسأل الله أن يوحد كلمة المسلمين ، وأن يجمع شملهم ويقيم دولتهم ، ويذل عدوهم .
والله من وراء القصد  وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تأملات في جدلية الدم والسياسة ومفارقات في المشهد السوري

مؤشر الرضا في سوريا بين انخفاض وارتفاع

السبب الكوني والوسيلة الشرعية: تفكيك الإشكال في إثبات هلال رمضان